تضطلع النيابة العامة اليوم بدور يتجاوز حدود إنفاذ القانون بمفهومه الإجرائي الضيق، لتصبح شريكًا أصيلا في حماية الأسس التي تقوم عليها الدولة ذاتها، فبقدر ما تنجح النيابة العامة في صون الشرعية ومواجهة التزوير والاعتداء على الحقوق العامة والخاصة، فإنها تسهم بصورة مباشرة في ترسيخ الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وحماية أركان الدولة من عوامل التفكك والاضطراب.
ومن الحقائق الراسخة في فقه الدولة والقانون أن السيادة لا تستقر إلا إذا استقر الركنان الماديان اللذان تقوم عليهما الدولة وهما الشعب والأقليم، ولأن الدولة لا تستطيع إدارة هذين الركنين إلا من خلال أدوات قانونية دقيقة، فقد استقرت التجارب الإنسانية كافة على وجود سجلين يمثلان الذاكرة القانونية للدولة وهويتها المستمرة، وهما السجل المدني والسجل العقاري.
فالسجل المدني يمثل التوثيق القانوني للعنصر البشري، أي الشعب، وهو الركن الأول للدولة، وبدون سجل مدني سليم ومنضبط تعجز الدولة عن تحديد هويتها الديموغرافية بدقة، وتصبح المواطنة مفهوما قابلا للاختراق والتلاعب، بما يهدد الأمن القومي في أحد أكثر مجالاته حساسية.
وفي المقابل يقف السجل العقاري بوصفه التوثيق القانوني للعنصر المكاني للدولة، أي الإقليم، وهو الركن الثاني الذي تمارس الدولة سيادتها عليه، فمن خلال سجل عقاري منضبط تتشكل الهندسة القانونية الدقيقة التي تجيب عن السؤال الجوهري: من يملك؟ وماذا يملك؟ وأين تقع حدود الملكية؟، وعند غياب هذا السجل أو اضطرابه، فإن الإقليم يتحول إلى مساحة مفتوحة للنزاعات والتعديات وتضارب الادعاءات.
ومن ثم فإن بناء دولة مستقرة لا يبدأ فقط من بناء المؤسسات، بل من بناء سجل مدني موثوق وسجل عقاري واضح ومحكم؛ فالأول يحفظ هوية الإنسان، والثاني يحفظ هوية المكان، وكلاهما يمثلان الشرط الضروري لاستقرار الدولة واستمرارها.
ومتى كان الأمر كذلك، فإن الإجراءات الحالية المتخذة بشأن إخلاء العقارات المملوكة للدولة وإعادة العقارات المغتصبة إلى أصحابها لا يمكن النظر إليها باعتبارها تدابير قضائية يومية فحسب، بل باعتبارها مشروعا وطنيا لحماية السيادة وترسيخ حكم القانون، ذلك أن إخلاء أملاك الدولة يضع حدا للتغول على المال العام، ويرسم حدودا واضحة بين الملكية العامة والملكية الخاصة، بينما تسهم إعادة الحقوق العقارية المغتصبة إلى أصحابها في إنهاء عدد كبير من الخصومات والنزاعات العقارية المزمنة التي استنزفت المجتمع وأرهقت مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية.
كما أن لهذه الجهود بعدا اقتصاديا لا يقل أهمية عن بعدها القانوني، فالعقار المتنازع عليه أو غير الموثق هو أصل معطل اقتصاديا، بينما يؤدي تطهير السجلات العقارية ومعالجة التلاعبات وإعادة الاستقرار إلى الملكيات إلى تحرير القيمة الاقتصادية للأرض وتحويلها إلى رأس مال منتج قادر على دعم التنمية وجذب الاستثمارات.
وانطلاقا من هذه الأهمية، فإن الاستمرار في تنقية السجل المدني من القيود المزورة والأرقام الوطنية غير الصحيحة، بالتوازي مع تصحيح السجل العقاري، وإنهاء الاستيلاء على أملاك الدولة، وإرجاع الحقوق العقارية إلى أصحابها، وملاحقة شبكات التزوير والتلاعب بالملكيات، وإلغاء العقود الموازية التي تخل بأمن الحيازة، ووضع حدود واضحة وغير قابلة للتأويل بين أملاك الدولة العامة والخاصة وبين ملكيات الأفراد؛ يمثل ضرورة وطنية تتجاوز الاعتبارات الإدارية والقضائية إلى متطلبات الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي.
فرأس المال لا يبحث فقط عن الفرص، بل يبحث قبل ذلك عن اليقين القانوني، ولا يمكن أن تزدهر التنمية في بيئة يشوبها الغموض بشأن الهوية أو الملكية، ومن ثم فإن ضمان سلامة السجل المدني وأمن الملكية العقارية هو المدخل الحقيقي لبناء الثقة لدى المواطن والمستثمر على حد سواء.
وخلاصة القول، فإن المضي في ضبط السجل المدني باعتباره أداة توثيق الإنسان، بالتوازي مع تكثيف الجهود لحماية السجل العقاري باعتباره أداة توثيق الأرض، هو الطريق الأوثق لترسيخ سيادة القانون، وتحصين الدولة، وتحويل الإقليم من ساحة للنزاعات والادعاءات المتعارضة إلى بيئة مستقرة وآمنة ومنتجة، تكون فيها الحقوق واضحة، والسيادة مصونة، والتنمية ممكنة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية