منصة الصباح
بلاد النفط: طوابير لا تنتهي.. وثقبٌ أسود يبتلع قوت الليبيين

بلاد النفط: طوابير لا تنتهي.. وثقبٌ أسود يبتلع قوت الليبيين

تقرير / مني عريبي

لم تعد أزمة الوقود في ليبيا أزمة عابرة أو حالة طارئة مرتبطة بظرف مؤقت، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أخطر الأزمات المزمنة التي تعكس حجم الفوضى الإدارية والانقسام المؤسسي وغياب الرقابة الحقيقية على أهم ثروة تمتلكها البلاد..

أزمة وقود أم غياب الدولة؟!

ورغم أن ليبيا تُعد من أكبر الدول النفطية في أفريقيا، فإن المواطن الليبي يقف يوميًا في طوابير طويلة أمام محطات الوقود، ينتظر لساعات من أجل الحصول على كميات محدودة من البنزين أو الديزل، في مشهد يبدو متناقضًا مع حجم الثروات النفطية والإنتاج الكبير الذي تمتلكه الدولة..

أزمة تتكرر رغم الوفرة

المفارقة الكبرى أن الأزمة لا تحدث بسبب نقص حقيقي في الموارد النفطية، بل نتيجة خلل عميق في منظومة التوزيع والرقابة والإدارة. .

فالإنتاج النفطي مستمر، والمصافي تعمل بدرجات متفاوتة، وشحنات الوقود تُستورد بمليارات الدولارات سنويًا، إلا أن الوقود يختفي فجأة من المحطات ليظهر مباشرة في السوق السوداء بأسعار مضاعفة..

هذا الواقع خلق حالة غضب واسعة بين المواطنين، خصوصًا في المنطقة الغربية التي تشهد بشكل متكرر أزمات خانقة وطوابير تمتد لمسافات طويلة أمام المحطات، وسط غياب حلول جذرية ووعود حكومية تتكرر دون نتائج ملموسة..

السوق السوداء.. المستفيد الأكبر

أصبحت السوق السوداء اليوم اللاعب الرئيس في ملف الوقود داخل ليبيا. فشبكات التهريب والتخزين غير القانوني تستغل ضعف الرقابة ووجود مجموعات متنفذة لاحتكار كميات كبيرة من الوقود وبيعها بأسعار مرتفعة بعيدًا عن التسعيرة الرسمية..

ويؤكد مواطنون أن الوقود الذي يختفي من المحطات يظهر مباشرة في الشوارع والمزارع والمخازن الخاصة، حيث يباع بأسعار تفوق السعر الرسمي بعدة أضعاف، ما يحول معاناة الناس إلى مصدر أرباح ضخمة للفاسدين والمهربين..

كما تشير تقارير محلية إلى أن جزءًا كبيرًا من الوقود المدعوم يتم تهريبه عبر الحدود البرية والبحرية إلى دول مجاورة، مستفيدين من فارق الأسعار الكبير بين ليبيا والأسواق الخارجية، وهو ما يكبد الدولة خسائر مالية هائلة سنويًا..

أسباب الأزمة الحقيقية

أولًا: الفساد الإداري والمالي:

يُعد الفساد من أبرز أسباب استمرار الأزمة، إذ تتهم جهات رقابية وإعلامية بعض المسؤولين والمتنفذين بالتورط في تسهيل عمليات التهريب والتلاعب بحصص الوقود، مقابل تحقيق مكاسب مالية ضخمة..

ثانيًا: ضعف الرقابة

تعاني الأجهزة الرقابية من ضعف الإمكانيات والانقسام الإداري، الأمر الذي جعل الكثير من محطات الوقود والمخازن تعمل دون رقابة فعلية، ما سمح بانتشار التلاعب والكميات الوهمية..

ثالثًا: الانقسام السياسي والمؤسسي

ساهم الانقسام السياسي في ليبيا في إضعاف قدرة الدولة على إدارة ملف الوقود بشكل موحد، حيث تعددت الجهات المشرفة وتضاربت القرارات، ما خلق بيئة خصبة للفوضى والاستغلال..

رابعًا: التهريب المنظّم

تحولت عمليات تهريب الوقود إلى نشاط منظم تديره شبكات تمتلك إمكانيات كبيرة، مستفيدة من الحدود المفتوحة وضعف السيطرة الأمنية في بعض المناطق..

خامسًا: غياب خطط التوزيع الحديثة

لا تزال منظومة توزيع الوقود تعتمد على آليات تقليدية تفتقر للرقمنة والمتابعة الدقيقة، وهو ما يسمح بالتلاعب في الكميات وعدم معرفة المسار الحقيقي للوقود منذ خروجه من المستودعات وحتى وصوله للمواطن..

المواطن.. الضحية الدائمة

في خضم هذه الفوضى يبقى المواطن الليبي هو الطرف الأكثر تضررًا. فالأزمة لا تتوقف عند الطوابير فقط، بل تمتد لتؤثر على مختلف تفاصيل الحياة اليومية، من ارتفاع أسعار النقل والسلع، إلى تعطيل الأعمال وتأخير مصالح الناس واستنزاف الوقت والجهد.

.الكثير من المواطنين باتوا يقضون ساعات طويلة داخل سياراتهم أمام المحطات، في مشهد يتكرر بشكل شبه يومي، وسط درجات حرارة مرتفعة وانعدام أي حلول سريعة أو واضحة..

كما أدت الأزمة إلى زيادة حالة الاحتقان الشعبي وفقدان الثقة في الجهات المسؤولة، خاصة مع تكرار التصريحات الرسمية التي تؤكد توفر الوقود في الوقت الذي يعيش فيه الشارع واقعًا مختلفًا تمامًا..

أزمة أكبر من الوقود

يرى مراقبون أن أزمة الوقود لم تعد مجرد مشكلة خدمية، بل أصبحت انعكاسًا مباشرًا لأزمة الدولة الليبية نفسها، بما تحمله من فساد وضعف مؤسساتي وانقسام سياسي وغياب للمحاسبة..

فالوقود في ليبيا لم يعد مجرد سلعة تُستهلك، بل تحول إلى ملف ترتبط به شبكات مصالح واسعة تستفيد من استمرار الأزمة أكثر من حلها، وهو ما يجعل المواطن يدفع الثمن يوميًا من راحته ووقته وكرامته..

ما المطلوب لإنهاء الأزمة؟

يرى مختصون أن معالجة الأزمة تتطلب خطوات حقيقية وجادة، أبرزها:

فرض رقابة صارمة على توزيع الوقود..

تفعيل منظومات إلكترونية حديثة لمتابعة حركة الوقود..

مكافحة شبكات التهريب والسوق السوداء بقوة القانون..

توحيد المؤسسات المعنية بملف الطاقة والتوزيع..

محاسبة المتورطين في الفساد دون استثناء..

تحسين إدارة المصافي ومستودعات التخزين..

إشراك الأجهزة الرقابية والقضائية بشكل فعّال ومستقل..

أزمة الوقود في ليبيا ليست أزمة نقص موارد، بل أزمة إدارة وفساد وغياب دولة..

وبينما تتواصل الطوابير وتتوسع السوق السوداء، يبقى المواطن الليبي عالقًا بين وعود لا تتحقق وأزمات تتكرر بلا نهاية..

وفي ظل هذا المشهد، يزداد السؤال حضورًا في الشارع الليبي:

إلى متى ستظل ثروات البلاد تُهدر، بينما يعاني المواطن من أجل أبسط حقوقه..؟!!

شاهد أيضاً

الطقس

الأحوال الجوية المتوقعة اليوم السبت

أصدر المركز الوطني للأرصاد الجوية النشرة اليومة الخاصة بتوقعاته للأحوال الجوية على مختلف مناطق البلاد، …