منصة الصباح
قصيبات يستعيد أسطورة الصحراء الليبية وعلاقة الكاتب بالمجهول

قصيبات يستعيد أسطورة الصحراء الليبية وعلاقة الكاتب بالمجهول

الصباح /خاص

صدر حديثًا عن دار «خيال للنشر والتوزيع والترجمة» كتاب جديد للدكتور والأديب والمترجم الليبي محمد قصيبات بعنوان «الصحراء فضاء يكشف عن نفسه في داخلنا»، وهو الإصدار رقم 22 في مسيرته الفكرية والأدبية، مواصلًا عبره اشتغاله على علاقة الإنسان بالمكان، وعلى الأسئلة التي صنعتها الصحراء في المخيلة الإنسانية عبر التاريخ.

ويتناول الكتاب أسطورة “زرزورة”، الواحة الضائعة التي شغلت المؤرخين والرحالة والمستكشفين لقرون طويلة، مستندًا إلى وثائق تاريخية وشهادات رحالة، ومقتربًا في الوقت نفسه من البعد الأدبي والرمزي الذي جعل الصحراء فضاءً للتأمل والبحث عن الذات.

أسطورة “زرزورة”.. المدينة البيضاء

يشير قصيبات إلى أن الاعتقاد بوجود كنز خفي في الصحراء الليبية يعود إلى أزمنة قديمة سبقت اكتشاف النفط بقرون، إذ تحدث عثمان النابلسي في القرن الثالث عشر عن واحة تحمل اسم “زرزورة”.

وبعد ذلك بقرنين، ورد ذكر الواحة في كتاب «الكنوز واللؤلؤ المكنون»، وهو من الكتب القديمة التي تناولت السحر والكنوز، وجاء فيه:

«زرزورة مدينة بيضاء كاليمامة في الصحراء الليبية، يوجد عند بابها عصفور، عندما تصل إلى هناك خذ المفتاح من منقار العصفور ثم افتح الباب وادخل في هدوء ولا تزعج الملك والملكة النائمين منذ زمن طويل في تلك المدينة، خذ ما طاب لك من كنوز واخرج في هدوء».

وخلال القرن التاسع عشر، بدأ اهتمام الأوروبيين بالبحث عن تلك الواحة، وكان من أبرزهم الإنجليزي جون جاردنر ويلكنسون، الذي أصدر عام 1835 كتابًا بعنوان «وادي زرزورة»، تناول فيه حكاية واحة في قلب الصحراء قيل إن بدويًا عثر عليها أثناء بحثه عن جمله التائه.

ألماسي وبانيولد.. الصحراء بوصفها سرًا

وفي النصف الأول من القرن العشرين، اشتهر المستكشف المجري لازلو ألماسي والبريطاني رالف بانيولد بتنافسهما في البحث عن “زرزورة”.

فقد أعلن ألماسي أنه اكتشف موقع الواحة خلال رحلة قام بها سنة 1932، مرجحًا وجودها في منطقة وادي عبد الملك ووادي الحمرة.

أما بانيولد، فلم يتمكن من العثور على الواحة، لكنه أصدر كتابًا علميًا بعنوان «فيزياء التراب المتحرك»، ظل لاحقًا مرجعًا علميًا اعتمدت عليه وكالة “ناسا” في دراسات تتعلق بالتخطيط للنزول على سطح كوكب المريخ.

وينقل الكتاب عن بانيولد قوله إن “زرزورة” تمثل آخر الأسرار القادرة على إيقاظ رغبة الإنسان في البحث عن المجهول، معتبرًا أنها “واحة داخل كل إنسان”.

النساء ومغامرات الصحراء

ويخصص قصيبات مساحة من كتابه للمغامرات النسائية في الصحراء الليبية، متوقفًا عند تجربة الرحالة الهولندية الكسندرين تيني، المولودة في لاهاي عام 1835.

ورغم انحدارها من عائلة ثرية، فإنها اختارت حياة المغامرة، فانطلقت من مصر جنوبًا بحثًا عن منابع النيل بهدف دراسة نباتات وحيوانات الصحراء، وأصدرت عام 1869 كتابًا حول رحلتها، ذكرت فيه أسماء نباتات ارتبطت باسمها لاحقًا.

غير أن رحلتها الأولى تحولت إلى مأساة بعدما فقدت والدتها وعمّتها بسبب الحمى، ورغم ذلك قررت في الأول من أغسطس سنة 1869 التوجه إلى فزان، حيث لقيت حتفها هناك.

وتتعدد الروايات حول مقتلها؛ فبعضها يشير إلى أنها قُتلت أثناء محاولتها فض نزاع بين قبائل، فيما تقول روايات أخرى إن قطاع طرق قتلوها ظنًا منهم أنها تحمل ذهبًا.

روزيتا فوربس.. “ست خديجة”

كما يتناول الكتاب تجربة الرحالة البريطانية روزيتا فوربس، التي حصلت مسبقًا على إذن من السيد إدريس السنوسي لزيارة الكفرة بين ديسمبر 1920 وفبراير 1921، وكان برفقتها الرحالة المصري أحمد حسنين، خريج جامعة أوكسفورد.

وكانت فوربس تتنقل في الصحراء متنكرة في زي امرأة بدوية، حتى أن من حولها كانوا ينادونها باسم “ست خديجة”.

ورغم تنظيم الرحلة، فإنها لم تخلُ من الأخطار؛ إذ كادت أن تُقتل في منطقة الهواري إثر هجوم لقطاع الطرق، كما واجهت خطر الموت عطشًا بعد أن تاهت القافلة ثلاثة أيام في الصحراء.

ويذكر الكتاب أن القافلة مرت 12 يومًا دون ماء بسبب خطأ في خريطة وضعها الألماني راهولف.

وقدّرت فوربس عدد سكان الكفرة آنذاك بنحو 3000 من الزوية، وبين 300 و400 من التبو، كما أشارت إلى أن الأمطار لم تهطل على الكفرة طوال ثماني سنوات، رغم وجود المياه على عمق ثلاثة أمتار فقط.

ووصفت الواحة بأنها غنية بالغلال والفواكه، في حين كانت الجمال تعيش على التمور بسبب غياب الأعشاب، كما تحدثت عن أهمية الكفرة كمركز تجاري، وعن بيوت السنوسيين التي وصفتها بالراقية والمفروشة بالبسط الجميلة، إضافة إلى استيراد الجلود من دارفور.

وبعد الكفرة، عاشت فوربس فترة في الجغبوب، حيث مسجد “سيدي علي”، وتحدثت عن الجيل الأول من السنوسيين وبعض الطلبة المقيمين هناك، وقدّرت عدد سكان الجغبوب وقتها بنحو 150 شخصًا.

بين الاكتشاف والعمل الاستخباراتي

وفي ختام حديثه عن الرحالة، يشير قصيبات إلى أن بعض المستكشفين أحبوا الصحراء الليبية فعلًا، بينما جاء بعضهم الآخر لأهداف غير بريئة.

فبحسب ما يورده عدد من المؤرخين، كان الألماني راهولف جاسوسًا للطليان، كما أن لازلو ألماسي لم يكن شخصية رومانسية كما ظهر في فيلم «المريض الإنجليزي»، بل عمل مع المخابرات الألمانية.

أما روزيتا فوربس، فيؤخذ عليها ارتباطها لاحقًا بعلاقات مع هتلر وموسوليني.

الصحراء التي ألهمت الأدب العالمي

ولا يكتفي الكتاب بتوثيق الرحلات والأساطير، بل يتوقف عند أثر الصحراء في الأدب العالمي، إذ يرى محمد قصيبات أن الصحراء الليبية “باتساع الكون الذي فينا”، حتى إن الإسكندر الأكبر توقف عند حدودها.

ويشير إلى أن الصحراء ألهمت عددًا من الكتّاب العالميين، فكتب الفرنسي أنطوان دو سان أكزوبيري روايته الشهيرة «الأمير الصغير» بعد سقوط طائرته في الصحراء، بينما استلهم الإيطالي دينو بوزاتي روايته «صحراء التتار» بعد مشاهدته قلعة في فزان أثناء عمله مراسلًا لصحيفة إيطالية.

كما يتناول الكتاب ما وجده ألبير كامو في الصحراء الجزائرية، وتجربة الكاتبة إيزابيل إيبرهارت التي توفيت غرقًا في “عين الصفراء”، بعدما كتبت كثيرًا عن سكان الصحراء وعاداتهم.

ويتوقف قصيبات كذلك عند تجربة الروائي الليبي إبراهيم الكوني، معتبرًا أن شهرته ارتبطت بكتابته عن أهل الصحراء، وبذلك البعد المفتوح الذي يجذب القارئ الغربي إلى هذا النوع من الأدب.

“زرزورة” داخل الإنسان

وعن الرسالة الأساسية للكتاب، يقول محمد قصيبات إن العمل يتناول علاقة الكاتب بالمكان، وبالصحراء الليبية تحديدًا، باعتبارها فضاءً يكشف للإنسان عوالمه الداخلية.

ويؤكد أن الكتاب يعتمد على الوثائق التاريخية، لكنه في الوقت نفسه يمزج بين التوثيق والكتابة الأدبية.

ويقول:

“ستبقى زرزورة الواحة الضائعة التي يبحث عنها كل كاتب. يحدث أحيانًا أن يبحث الكاتب عن عوالم هي في داخله”.

وكشف قصيبات أنه يعمل أيضًا على كتاب جديد لم يصدر بعد بعنوان «من قصص البحر»، يتناول علاقة الكتّاب بالبحر، بوصفه امتدادًا لفكرة العلاقة بين الكاتب والمكان.

وفي نهاية الرحلة، يبدو أن كثيرًا من الرحالة والكتّاب الذين ذهبوا بحثًا عن كنوز الصحراء لم يجدوا ما خرجوا لأجله، لكنهم ـ كما يقول دو سان أكزوبيري ـ اكتشفوا شيئًا أجمل في داخلهم.

شاهد أيضاً

“منصة الصباح" تبدأ مشوار «الأربعون يوماً» استمراراً للتطوير والتميّز

“منصة الصباح” تبدأ مشوار «الأربعون يوماً» استمراراً للتطوير والتميّز

أطلقت منصة “الصباح” الرقمية، مشروع “الأربعون يوماً” لتطوير الأداء التحريري والرقمي داخل المنصة، ضمن برنامج …