منصة الصباح
مدينة الجوش.. ذاكرة جبل لا تموت

مدينة الجوش.. ذاكرة جبل لا تموت

الصباح/ منى عريبي

في قلب الجبل الغربي، حيث تتعانق السفوح الصخرية مع امتداد الطبيعة القاسية، تتوارى مدينة الجوش كأنها صفحة قديمة من كتاب التاريخ لم تُطوَ بعد، بل تُركت مفتوحة على الزمن، تقاوم الرياح والنسيان معًا. هناك، لا تبدو الجوش مجرد مكان مأهول، بل كيانًا متجذرًا في ذاكرة الأرض، تشكّل عبر قرون من الاستقرار البشري الذي انحاز إلى الجبل بحثًا عن الحماية والبقاء، فكان الجبل مأوىً وكان الصخر شاهدًا على حياةٍ صاغها الإنسان بالصبر والتكيّف..

تتوزع ملامح الجوش بين بيوتٍ تقليدية مبنية من الحجر والطين، وأزقة ضيقة تتسلل بين الكتل العمرانية القديمة كأنها شرايين حياة ما زالت تنبض رغم خفوتها. وفي تفاصيلها البسيطة تختبئ حكايات طويلة عن مجتمع عاش على الزراعة المحدودة واستثمار العيون المائية التي شكّلت شريان الاستقرار في بيئة جبلية صعبة، فكانت كل قطرة ماء تُروى بها الأرض تحمل معها معنى البقاء..

ومع أن المكان يحتفظ بجماله الصامت، إلا أن الزمن بدأ يترك بصماته الثقيلة على ملامحه؛ الجدران تتآكل ببطء، والمباني القديمة تتشقق تحت ضغط الإهمال والعوامل الطبيعية، وكأن الذاكرة المادية للجوش تنحسر خطوة بعد أخرى دون أن تجد من يوقف هذا التراجع. هذه الشواهد ليست مجرد حجارة قديمة، بل هي سجل حيّ لتاريخ اجتماعي وثقافي يعكس نمط حياة الجبل الغربي، بكل ما فيه من بساطة وصلابة وتكيّف مع الطبيعة..

ورغم هذه القيمة التاريخية الواضحة، ما تزال الجوش بعيدة عن دائرة الاهتمام الكافي الذي يليق بها، وكأنها تقف على هامش الخريطة السياحية والأثرية، في وقتٍ تحتاج فيه إلى تدخل عاجل يعيد لها حضورها قبل أن تتلاشى معالمها بصمت..

إن مسؤولية وزارة السياحة ومصلحة الآثار هنا تتجاوز حدود التوثيق، لتصل إلى واجب حقيقي في حماية ما تبقى من هذا الإرث، عبر مسح أثري شامل، وترميم علمي مدروس، وإدماج المدينة ضمن مسارات السياحة الثقافية، إلى جانب إشراك المجتمع المحلي في عملية الحفاظ على هذا التراث الذي لا يخص منطقة بعينها بقدر ما يخص الذاكرة الوطنية بأكملها..

وفي النهاية، تبدو الجوش وكأنها تقف في لحظة انتظار طويلة، بين أن تُستعاد كحكاية حيّة من تاريخ الجبل الغربي، أو تُترك لتذوب ببطء في صمت الزمن. ومع كل يوم يمر دون تدخل حقيقي، يقترب جزء آخر من هذه الذاكرة من الغياب، وكأن المكان يهمس بأن التاريخ لا يُنسى دفعة واحدة، بل يُفقد شيئًا فشيئًا إذا لم يجد من يصونه..

شاهد أيضاً

إطلاق حيوانات برية نادرة بمنطقة سد الوشكة في سوكنة

إطلاق حيوانات برية نادرة بمنطقة سد الوشكة في سوكنة

شهدت منطقة سد الوشكة بمدينة سوكنة إطلاق عدد من الحيوانات البرية النادرة، في خطوة تهدف …