كتب / إبراهيم الحداد
في الوقت الذي تضخ فيه إثيوبيا نحو 694 ألف طن من البن، ويصارع اليمن بـ 50 ألف طن لاستعادة عرشه بـ “الخولاني” الأصيل، يجد المستهلك الليبي نفسه غريقاً في فنجان من الأوهام.
ليبيا، التي تحتسي بنحو مليار كوب سنوياً وفق تقديراتي الخاصة، تعيش مفارقة سريالية؛ فبرغم دعم السلعة بـ دولار الاعتمادات، يصر التجار على تكدير صفو القهوة بمواد مضافة تسرق نكهتها لتملأ جيوبهم بسُحت الغش.
لقد انطلق سعر الكيلوغرام من 40 ليصل إلى 120 ديناراً، في حين أن سعره العالمي لا يتجاوز 6 دولارات، نحو 37 ديناراً، ما يعني أننا أمام “جناية” محلية بامتياز، تُحاك خيوطها بين مخازن الداخل ودروب التهريب، والمنافذ الحدودية المكبلة.
عبر الحدود
من قلب العاصفة، يقول (سالم .م) وهو أربعيني يعمل في قطاع الأمن، بعد إخفاء ملامح وجهه بدخان سيجارته، وهو يتحدث بمرارة:
الشاحنات الصغيرة تحمل أكياس البن لا تتوقف؛ نراها تمر أمام أعيننا بمركبات ليبية وأجنبية.
نعلم يقيناً أنه استنزاف ممنهج، لكننا مكتوفو الأيدي؛ فالبن مادة مسموحة قانوناً، ولا أوامر بمنع تصديرها.
هذا البن المستورد بالاعتمادات المدعومة يُباع وراء الحدود بالعملة الصعبة، ليُترك السوق المحلي جافاً، فترتفع الأسعار ونحن صامتون، لأنه “لا عقوبة بدون نص”.
قهوة “بالاسم”

ومن جانبي أرى أن الطبيعة لا تقبل الفراغ، يعوض التاجر نقص المهرب بـ “البن الهجين“.
ويؤكد كلامي خالد الدائمي، وهو باريستا متمكن، وهو يعصر مطحون البن بمرارة في كوب ورقي رخيص: لقد فقدت القهوة هويتها؛ نكتشف في الطاحونة نواة تمر محمصة، شعير، وذرة. ولوبيا، يضيفون صبغات تجعلك تظن أنها “أرابيكا” فاخرة، وهي في الحقيقة “خلطة بسيسة عائلية” تخدع حتى الشيوخ الصنعة.
قهوة .. أم صبغة
أما محمد الغدامسي، مسوق البن، فيتحجج بـ “مطرقة المورد وسندان المواطن”.
لكن الرد الحقيقي جاء من الشاب سالم الخيتوني، الذي رمى كوب الكرتون من يده أمام مقهى “البحباح” العريق في سوق جامع الصقع في طرابلس، صائحاً: “ندفع دم قلبنا في غبار مصبوغ”.
إن أزمة القهوة في ليبيا هي “مثلث برمودا” أضلاعه: تهريب بدم بارد، جشع تجاري، ورقابة تنام في العسل, ولن ينضبط المذاق إلا بكسر أضلاع هذا المثلث، وتجريم تهريب السلع المدعومة، قبل أن يصبح “فنجان القهوة” مجرد ذكرى جميلة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية