منصة الصباح
ايناس احميدة

قرارات لرفع قيمة الشهادة… أم لتعميق الفجوة في الواقع التعليمي؟

في توقيت حساس من العام الدراسي، صدرت قرارات وزير التعليم الأخيرة المتعلقة بعدم تقليص المناهج وإلغاء الأسئلة الاسترشادية، تحت شعار رفع قيمة الشهادة العلمية وتعزيز الفهم بدل الحفظ. وهي أهداف تربوية ومطلوبة، لكن السؤال الحقيقي ليس عن النوايا والهدف من القرارات، بل عن قابليتها للتطبيق في واقع المدارس الليبية اليوم.

الحديث عن الإبقاء على المنهج كاملاً حتى موعد الامتحانات بعد أقل من شهرين فقط، بينما الواقع يشير إلى أن عدداً كبيراً من المدارس لم ينجز حتى نصف المقرر، ما يضع هذه القرارات في مواجهة مباشرة مع الواقع، لا في اتفاق معه.

فالسياسة التعليمية لا تُقاس بما ينبغي أن يكون، بل بما يمكن تحقيقه فعلاً داخل الفصل الدراسي.

لا أحد يختلف على أهمية استكمال المنهج، لكن الإصرار على ذلك دون معالجة أسباب التأخر — مثل تأخر وصول الكتب، وازدحام الفصول، وتعطل الدراسة في فترات متعددة — يجعل القرار أقرب إلى إعلان هدف مثالي منه إلى خطة قابلة للتنفيذ.

والنتيجة المتوقعة ليست رفع مستوى الشهادة، بل زيادة الضغط على الطالب وولي الأمر والمعلم معاً.

أضف إلى ذلك إلغاء الأسئلة الاسترشادية تحت مبرر تعزيز الفهم ..وهي خطوة قد تكون تربوياً صحيحة في بيئة تعليمية مستقرة، لكنها تصبح إشكالية في بيئة يغيب فيها التوازن بين وقت الحصة ومتطلبات المنهج، ومع واقع يتجه فيه جزء من العملية التعليمية عملياً إلى خارج المدرسة عبر الدروس الخصوصية. وهنا يصبح الطالب الأقل قدرة مادياً والمتفوق غالباً هو الأكثر تضرراً.

أي قرار تربوي يجب أن يراعي الزمن التعليمي الحقيقي، لا الزمن المفترض في الجداول الرسمية.

و إذا كان العام الدراسي قد بدأ متأخراً في بعض المناطق، وتعطلت الدراسة في فترات أخرى، وأزمة الكتاب التي لا تخفى على أحد، والمطلوب من الطالب والطالب وحده تحمل تداعياتها من خلال استيعاب المنهج كاملاً خلال أسابيع قليلة فقط!! فهذا ليس من التعليم ولا التربية في شيء.

فقيمة الشهادة العلمية لا تُرفع بإلغاء الأسئلة الاسترشادية، ولا بالإبقاء على المنهج كاملاً في نهاية عام دراسي مضطرب، بل تتحقق عبر ضمان استقرار الخطة الدراسية منذ بدايتها
والحرص على انتظام توزيع الكتب في وقتها وتقليل كثافة الفصول وضمان جودة المعلم ودعمه داخل المدرسة لا خارجها

بدون ذلك، تتحول القرارات إلى عبء إضافي بدل أن تكون خطوة إصلاحية.

الطالب اليوم لا يحتاج إلى قرارات ترفع سقف التوقعات فقط، بل إلى سياسات تراعي ظروفه الفعلية داخل المدرسة. كما أن رفع قيمة الشهادة هدف نبيل، لكنه لا يتحقق بإجراءات متأخرة زمنياً، بل بإصلاح تراكمي يبدأ من أول يوم في العام الدراسي.

إن أي إصلاح تعليمي ناجح يجب أن ينطلق من سؤال بسيط:
هل ما نقرره قابل للتطبيق داخل الفصل؟
إذا كانت الإجابة غير واضحة، فإن مراجعة القرار تصبح ضرورة أخلاقية قبل أن تكون خياراً إدارياً.

شاهد أيضاً

عبد اللطيف محمد احمد

ناقلة الغاز المسال الروسية المتضررة قبالة زوارة: بين القلق المشروع والواقع الفني والمسؤولية القانونية

أثار اقتراب ناقلة الغاز المسال الروسية المتضررة من السواحل الليبية، كما ورد في بيان وزارة …