جمعة بوكليب
زايد…ناقص
الروتينُ الحياتي اليومي يصيب عقولنا بالتكلس، وحواسنا بالبلادة، بأن يحجبها بحجاب كثيف على ما حولنا من كائنات. حتى أننا في أحايين كثيرة لا نعد نفرق بين الأشجار والجدران، لأن المشاغل الحياتية اليومية الصغيرة تتغوّل وتستحوذ على الاهتمام.
ذكّرتني بذلك روائية إيرلندية اسمها (ماري كوستيللو) في واحدة من رواياتها التي تحمل عنوان (The River Capture) وترجمتها بالعربية (أسر النهر) ، صدرت في العام 2019. تتحدث الرواية عن الفقد، والذاكرة، والروابط الإنسانية التي تجرفنا مثل تيار النهر، وهي رواية مكرّسة للاحتفاء بالروائي الإيرلندي “جيمس جويس” وروايته المشهورة “يوليسيس”.
في الفصل الثالث من الرواية يأتي بطلها ( لوك أوبراين) على سيرة عالم غابات ألماني من دون ذكر اسمه، أصدر كتاباً مميزاً يتحدث عن الحياة الخفيّة…. للأشجار! الفضول خطف انتباهي. لجأت إلى محرك البحث “غوغل” بحثاً عن أي معلومات عنه وعن كتابه بموضوعه الغريب.
عالم الغابات الألماني اسمه (بيتر فولبن ( Peter Wohlleben وعنوان كتابه الصادر عام 2015 باللغة الألمانية:” الحياةُ الخفيّةُ للأشجار: بماذا تشعر؟ وكيف تتواصل؟ – اكتشافات من عالم سري”.
علمتُ من (غوغل) أن “فولبن” جعل علم بيئة الغابات المعقد يبدو للناس بسيطاً وقريباً من التجربة الإنسانية؛ فبدلاً من الاكتفاء بالحديث عن “التمثيل الضوئي” أو “أوعية الخشب”، استخدم مصطلحات أكثر “إنسانية” لوصف كيفية تفاعل الأشجار في الغابات.
“فولبن” في كتابه، يرفع الستارة عن عالم مخفي لا نعرفه. وعلى سبيل المثال يقول إن السبب وراء بطء النمو لدى بعض أنواع الشجر لايعود إلى خلل مرضي، بل هو استراتيجية للبقاء. وأن الغابات الحديثة غالباً ما تكسر هذا الإيقاع الطبيعي للحياة. ويؤكد، وهذا الأهم، أن الأشجار كائنات اجتماعية تتواصل فيما بينها، وتتبادل العناصر الغذائية عبر شبكة تحت الأرض مكونة من الفطريات. الأكثر اثارة هو أن (فولبن) يقول إن الأشجارَ- نعم الأشجار- “تُرضع أطفالها”، وتعتني بجيرانها من المَرضَى والمُسنّين.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية