منصة الصباح
حمد المسماري… حين تكون الكلمة موقفًا.

حمد المسماري… حين تكون الكلمة موقفًا

بزغ صوت حمد المسماري في فضاء الكلم مختلفًا، صافيًا، لا يخاف المواجهة، ولا يستكين للسكوت. كانت كلماته مرايا للواقع، وأوراقه مشاعل تُضيء تفاصيل الحزن والفرح، الغربة والوطن، السخرية والجدّ. بين مقالاته وديوانه صلاة العابرين، نحس عبق الإنسان الذي يرى ما يخفى عن الآخرين، ويسجل ما يهمش في ذاكرة الزمن. هكذا بقيت كتاباته أقمارًا تضيء في الظل، وذاكرةً صادقة لا تُنسى، لرجل عاش الكلمة صدقًا، وحافظ على شرفها حتى آخر نبض.

لم يكن حمد المسماري ممن يكتبون ليُقال إنهم كتبوا، بل كان يكتب لأن الصمت خيانة، ولأن الكلمة عنده عهد لا يُنقض. في شعره كما في صحافته، كان واضحًا كضوء النهار، صريحًا كنبض الحقيقة، لا يهادن في الود، ولا يجامل في الحق. امتلك حسًا ساخرًا يخفف وطأة الألم، وقلبًا مشبعًا بالحزن الإنساني، فاجتمع في نصوصه الضحك والبكاء، التأمل والاحتجاج، الجمال والمرارة.

ولد سنة 1961 في بنغازي، بمنطقة الرويسات، ونشأ في بيئة شعبية صاغت حساسيته تجاه الناس وتفاصيل حياتهم اليومية. عمل موظفًا بالشركة العامة للأنابيب، قبل أن يتجه إلى الصحافة، حيث وجد مساحته الأصدق للتعبير. أشرف على الصفحة الفنية في صحيفة «قورينا»، ثم تولى إدارة قسم التحقيقات، فكان صحفيًا يجمع بين رهافة الأديب ودقة المتابع، يقرأ الواقع بعين ناقدة وقلب مشغول بالشأن العام.

في عام 2006 صدر ديوانه الشعري «صلاة العابرين»، فجاء نصًا مكثفًا بالحزن النبيل، والاغتراب الشفيف، والبحث الدائم عن معنى وسط ضجيج الحياة. لم يكن شعره هروبًا من الواقع، بل مواجهة له بلغة مشبعة بالصور والدلالات، تُنصت لوجع الإنسان وتلتقط تفاصيله الصغيرة التي تغفلها العيون العابرة.

تأثر بالأديب والمفكر صادق النيهوم، وكتب قصيدته «رسالة إلى صادق النيهوم» بوصفها حوارًا مفتوحًا مع فكرة التنوير والوعي، ومع مسؤولية المثقف في زمن التحولات. كان يرى أن الأدب ليس ترفًا، بل موقفًا أخلاقيًا، وأن الصحافة ليست مهنة فحسب، بل شهادة على العصر.

عرف عنه في الوسط الثقافي حضوره الجاد، ونقاشه العميق، وإيمانه بأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تترك أثرًا أبقى من أي صخب عابر. لذلك جاء اختياره سنة 2007 شخصية العام كأفضل كاتب صحفي تقديرًا لمسيرته، ولموقفه المهني النزيه، ولرؤيته التي لم تنفصل يومًا عن هموم الناس.

في العاشر من يونيو سنة 2009، رحل حمد المسماري، تاركًا خلفه سيرة لا تُقاس بعدد النصوص فقط، بل بما حملته من صدق وشجاعة. بقي اسمه مرتبطًا بالكلمة النظيفة، وبالأدب الذي لا ينحني، وبالصحافة التي لا تساوم. وهكذا ظل، في ذاكرة من عرفه وقرأ له، نقشًا لا يُمحى، وصوتًا يذكّرنا أن الكتابة، حين تكون صادقة، تتحول إلى حياةٍ أخرى لا تموت.

شاهد أيضاً

إبراهيم حميدان… قلمٍ يمشي على حافة الصمت

إبراهيم حميدان… قلمٍ يمشي على حافة الصمت

في المشهد الثقافي الليبي أسماءٌ تلمع سريعًا ثم تخفت، وأسماءٌ أخرى لا تحتاج إلى ضوءٍ …