إيناس إحميدة
طفل في الثامنة من عمره تأخر ختانه حتى الآن، ليس بسبب الفقر أو المرض، بل لأنه بلا أوراق تثبت وجوده.
طفلة عاجزة صارت صبية وصار حملها لقضاء الحاجة مهمة صعبة فهي بلا معيل ولا رعاية، وما عليها إلا التبرز في مكانها حيث تأكل وحيث تنام، بينما تقف المؤسسات التي يفترض أن تحميها عاجزة و غير مكترثة.
طفلة أخرى عادت تبكي لأمّها بعد ان سلمت المعلمة شهادات النجاح للجميع إلا هي.
فهي موجودة فقط على الكرسي وغير موجودة على الورق وليس من حقها أن تفرح بنجاحها..
وجنب هذه الحالات عشرات وربما مئات الأطفال في بلادنا بلا هوية..
حُرموا من العائلة و حُرموا من المدرسة والعلاج ومن أبسط حقوقهم الإنسانية ومن حقهم في الاعتراف بوجودهم.. لأنهم ببساطة لا يملكون وثيقة تثبت أنهم موجودون.
يتعرضون يومياً إلى مواقف مؤلمة ويعيشون ظروفاً قاسية.. ليس لأنهم ارتكبوا ذنبًا، بل لأنهم وُلدوا في ظروف لم يختاروها..
و المشكلة هنا يا سادة ليست في الأطفال، بل في الطريقة التي يتعامل بها بعض المسؤولين مع هذه الملفات.
فبدل البحث عن حلول إنسانية وقانونية تحفظ حق الطفل، وتعوضه الحق في النسب والعائلة.. تجدهم نصبوا أنفسهم قضاة يصدرون أحكامًا أخلاقية، وكأن الطفل هو المتهم وهو من يجب ان يدفع الثمن.
الطفل ضحية يا سادة، وليس طرفًا في الجريمة.
وعليكم ان تعو بأنه حين يُحرم طفل من العلاج لأنه بلا أوراق، وحين تُغلق أبواب المدرسة في وجهه لأنه بلا نسب معترف به، فإن المجتمع لا يعاقب المسؤول عن الخطأ بل يصدر حكماً قاسياً على المجتمع ويولد المأساة.
فالطفل المهمَّش اليوم، هو مشروع شاب ساخط غداً..شاب ناقم، مستاء، محتقن ولن يشعر بالانتماء لمجتمع رفضه منذ لحظة ميلاده.
وعلينا ان نواجه السادة المسؤولين بأنهم من عقد المشهد وخلق المبررات للجريمة وتردي الوضع وولادة مجرمين وزرع قنابل موقوتة داخل المجتمع لا نعرف متى تنفجر ولا في وجه من.
وبأن هؤلاء الأطفال حين يكبرون ويخطئون — كما قد يفعل أي إنسان — من غير اللائق ان يصبح لهم رقم في سجلات الشرطة، وتُطبق عليهم القوانين بكل صرامة.
لان لا أحدًا سألهم:
من حرمهم من المدرسة؟
من أغلق أمامهم أبواب العلاج؟
من سمح بأن يكبروا بلا حماية ولا رعاية؟
من المسؤول عن ضياع حق الطفل؟
ومن دفعهم للجريمة؟
فالطفولة ليست مسألة نسب أو أوراق، بل حق إنساني أصيل.
والدولة التي تعجز عن حماية أطفالها، أو تسمح بوصمهم وإذلالهم، لا تؤذي طفلاً واحدًا فقط، بل تضعف مستقبل مجتمع كامل.
إن واجب المؤسسات الاجتماعية ليس إصدار الأحكام، بل البحث عن الحلول.
واجبها أن تفتح باب المدرسة، وأن توفر العلاج، وأن تمنح الطفل ما يستحقه من الفرص العادلة للحياة.
لأن الطفل، أي طفل،
لا ينبغي أن يدفع ثمن خطأ لم يرتكبه،
ولا ينبغي أن يقضي طفولته وهو يثبت أنه يستحق أن يعيش بكرامة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية