في الوقت الذي تزدحم فيه الاذاعات بالمنافسة الرمضانية ، لا يزال ثمة عبق يسكن أروقة الإذاعة الليبية ، ارتبط لعقود بالمستمع ، إنه برنامج على هامش التاريخ ، تلك السلسلة التي لم تكن مجرد سرد للماضي، بل كانت “مرآةً سيسولجية للواقع العربي المعاصر، صيغت بذكاء الشاعر ورؤية الأديب الراحل عمر رمضان.
لم يكن عمر رمضان، الذي بدأت رحلته مع الإذاعة عام 1980، مجرد كاتب “دراما تاريخية” بالمعنى التقليدي. تكمن عبقريته في قدرته على فك الارتباط بين “التاريخ” و”الحقيقة الدرامية”، فبينما يكتفي المؤرخ برصد واقعة “عنترة” أو “المتنبي”، يذهب رمضان إلى ما هو أبعد؛ إنه يكتب “استخلاص القارئ” لا “سيرة البطل”.
هذا النهج، الذي وصفه بـ “الكتابة بالشخصية لا عنها”، يمثل ذروة الحداثة في الأدب الإذاعي. لقد استعار عمر رمضان أجنحة خالد بن الوليد وابن بطوطة ليحلّق بها فوق سماء الوطن العربي ، مستخدماً لغة الأقدمين ليقول ما لا يقال عن “هموم العصر” و”صراعات الراهن”.
منذ عام 1982 وحتى توقف البرنامج ، نجح رمضان في بناء علاقة عميقة مع المتلقي امتدت لقرابة ثلاثة عقود، لم يكن مستمعو الإذاعة الليبية ينتظرون دروساً في التاريخ، بل كانوا ينتظرون سماع “أصواتهم المختبئة” تحت تفاصيل احداث التاريخ.
إن قصة هذا البرنامج تطرح تساؤلاً جوهرياً حول مصير الإبداع الليبي العابر للمراحل السياسية. لقد أثبت عمر رمضان أن النص القوي هو الذي يستلهم التاريخ ليواجه الحاضر. واليوم، في غياب كاتب هذا البرنامج، يبدو أن التاريخ الليبي المعاصر قد فَقَد أحد أهم هوامشه النقدية، تاركاً الجمهور في حنين دائم لزمن كان فيه الراديو “بوصلةً” للوعي والجمال.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية