منصة الصباح
د. علي عاشور

شَهْرُ رَمَضَان… وَطَبَائِعُ النِّسْوَان

باختصار

      من طبائع المرأة أنها كائن يهتم بالتفاصيل…  ترى ما لا نراه نحن الرجال، وتنتبه لما نتجاوزه، وتمنح الأشياء روحاً من لمستها….  هي التي تحول البيت إلى حكاية، والمائدة إلى لوحة فنية، والمناسبة إلى طقس مكتمل الأركان….  في داخلها ميل فطري إلى الترتيب، وإلى المظهر والتجميل، وإلى الإحساس بأن لكل مناسبة مظهرها وزينته، ولكل موسم عدته وحتى لباسه…. لا أقول هذا لأعيبه، بل هو وجه من وجوه العناية، وصورة من صور الحفاوة بالحياة عندها.

         غير أن شهر رمضان، في ليبيا كما في غيرها، يكشف وجها آخر من هذه الطباع….. فما إن يقترب هلاله حتى تتحول الأسواق إلى ساحات سباق، وتضحى المحال مسارح ازدحام، وتبدأ رحلة اللهاث خلف الصحون والزينة، والفرش الجديدة، والأطقم اللامعة، والمعالق والطناجر، والستائر والأثاث… كأن الشهر لا يكتمل إلا إذا اكتمل الديكور، ولا يستقبل إلا إذا تبدلت هيئة البيت من بلاطه إلى سقفه.

      لسنا هنا في مقام التعيير، ولا في موضع الانتقاص من المرأة، فهي شريكة الرجل في صناعة هذا السلوك الاستهلاكي، بل قد يكون الرجل أحيانا وقوده الصامت….  لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح بهدوء: هل هذا هو رمضان الذي نعرفه؟ أم أننا ألبسناه ما ليس له؟

       الكل يعرف أن رمضان هو شهر للعبادة، لا موسم للمعارض….  شهر صفاء لا موسم للأكلات…. هو شهر يفترض أن تتقلص فيه الوجبات، لا أن تتضاعف فيه الفواتير.

       الصائم الحق… يجب أن يتدرب على الاكتفاء، ويتعلم الاقتصاد في الرغبات قبل الاقتصاد في النفقات، ويعيد ترتيب أولوياته بحيث تتقدم الروح على المعدة، فالصيام ليس امتناعا عن الطعام ساعات معدودة فقط، بل تهذيب لعلاقة الإنسان بالاستهلاك كله… بيد أن ما يحدث عندنا أن الشهر ما إن يبدأ حتى يتحول إلى ماراثون طبخٍ يومي، تتسابق فيه القدور قبل القلوب، وتتنافس فيه الموائد قبل النفوس….. أطباق تعد أكثر مما يؤكل، وأصناف تعرض أكثر مما يحتاج، وكأننا نستعد لموسم مجاعة مقبلة أو شتاء طويل، لا لشهر جوهره التقليل، وروحه الزهد، ومعناه الاكتفاء.

        وفي ظل الغلاء الذي ينهش جيوب الليبيين، يصبح الإسراف خطيئة مزدوجة: خطيئة في حق الجيب، وخطيئة في حق المعنى….. فكم من أسرة أثقلتها الديون لتجاري مستوى لا يلزمها، وكم من أم أرهقتها المقارنات، وكم من بيت ضاع هدوؤه بين قلق الأسعار وضغط التوقعات…

      ليس المطلوب أن نطفئ الفرح من البيوت، ولا أن نلغي بهجة الاستعداد، فالتجمل للموسم جزء من ثقافتنا…. لكن الاعتدال فضيلة، والوعي ضرورة….. فيمكن للبيت أن يكون أنيقا بلا إسراف، وللمائدة أن تكون عامرة بلا تبذير، ولرمضان أن يكون روحا قبل أن يكون صور تتناثر في صفحات التواصل الاجتماعي.

        فلنعد للشهر معناه، وللمائدة قدرها، وللجيب راحته…. رمضان ليس شهر الطناجر الجديدة، بل شهر القلوب الجديدة….. وليس شهر الستائر المبدلة، بل شهر النفوس المتبدلة….  وبين هذا وذاك يكمن الفرق بين عادة تستهلكنا وعبادة تهذبنا.

د. علي عاشور

شاهد أيضاً

د.علي المبروك أبوقرين

الرضا الصحي

الرضا الصحي ليس حالة طبية بحتة ولا نتيجة فحص سليم أو تقرير مطمئن بقدر ما …