إبراهيم الحداد
يجلس لحاج الصالح (90 عامًا) بعباءته الباهتة على سدة أمام زاوية سيدي منصور القديمة، يراقب بقلبٍ مثقل كيف تحولت “القلعة” في زويلة من حصنٍ كانت تملؤه الهيبة وتدار من خلاله بلاد شاسعة في العمق الإفريقي وتسير بأمره القوافل في أمان، إلى مسكنٍ مهترئ يعبث به العابرون.
لم تكن القلعة بالنسبة له مجرد أحجار طينية، بل هي ذاكرة والده وجده، وتاريخ دولة “بني خطاب” .. بل هي آثار بيزنطية وبربرية والإسلامية وعربية وعثمانية وإيطالية ضاربة أطنابها في عمق التاريخ.
اليوم، يشيح الحاج صالح بنظره بعيدًا لكي لا يرى “الكوخ” الهجين الذي شيده مهاجر من جنوب الصحراء فوق هذا الأثر المحمي والمسجل في اليونسكو كمعلم من التراث الإنساني.
يراقب بأسى كيف تُدق الأوتاد في الجدران العتيقة التي صمدت ألف عام، وكيف تُوقد النيران للطبخ وتُجرى المياه السوداء في أزقته لتمحو آثاره الإسلامية الصحراوية النادرة.
ما يؤلم الحاج الصالح ليس وجود المهاجرين في حد ذاته .. فهم عابرو سبيل ضاقت بهم الأرض، بل هي “الاستباحة” وانهيار هيبة المكان .. يرى في ذلك الكوخ الجاثم فوق القمة علامةً على سقوط الدولة قبل سقوط الجدران.

فالمكان الذي كان يجب أن يكون مزارًا عالميًا، أصبح “نقطة ارتكاز” عشوائية، حيث تُلقى المخلفات في الساحات التي كانت يومًا ساحات قلعة حربية .. هي آخر بلاد العرب والإسلام قبل أن يدخل طواعية لدين الله أمم من أهل السودان.
وتعد زويلة آخر ما وصل إليه عقبة بن نافع سنة 34 هجري، إبان الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا، قبل أن يعود ويفتح بنصر من الله ما يعرف اليوم بتونس والجزائر، ويستشهد في جبالها على يد الكاهنة.
وعودًا للحاج صالح الذي يجلس في صمت كئيب على السدة منتظر دخول الوقت ليصلي في الزاوية وحيدًا حتى لا يقفل بيت من بيوت الله، يراقب كل قطعة طين سقطت من سور القلعة بفعل الجهل والإهمال، وكأنها جزء من روحه، يتحسر على كونه آخر شاهد رأى بعينه مجدًا أفل حتى الحضيض.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية