منصة الصباح

البازين  مصدر الطاقة القديم في مواجهة حميات العصر الحديث

في الوقت الذي يتسابق فيه خبراء التغذية في الغرب لإعادة اكتشاف فوائد “الحبوب الكاملة” والبحث عن بدائل غذائية لضبط مستويات السكر في الدم، يقف “البازين” الليبي كشاهدٍ حي على عبقرية المطبخ التقليدي الذي سبق عصره بقرون. هذا الطبق، الذي يمثل أيقونة المائدة في ليبيا، ليس مجرد وجبة مشبعة، بل هو حزمة غذائية متكاملة تعتمد في جوهرها على دقيق الشعير، وهو المكون الذي بدأت الدراسات العلمية الحديثة تضعه تحت المجهر كأحد أهم الأغذية الوظيفية

يعد الشعير المكون الأساسي لكتلة البازين الصلبة، وتشير التحليلات المخبرية إلى أن الشعير يحتوي على نسبة عالية جداً من ألياف الـ “بيتا جلوكان” . وعلمياً، تعمل هذه الألياف القابلة للذوبان على تكوين مادة هلامية داخل الأمعاء، مما يبطئ من عملية امتصاص السكريات . هذا التأثير يجعل البازين، رغم كونه وجبة غنية بالكربوهيدرات، خياراً ذكياً لتنظيم مستويات الأنسولين وتجنب القفزات المفاجئة في سكر الدم التي تسببها الحبوب المنقاة مثل الدقيق الأبيض.

علاوة على ذلك، أثبتت الأبحاث أن هذه الألياف ترتبط بالأحماض الصفراوية في الجهاز الهضمي، مما يساعد بشكل مباشر في خفض مستويات الكوليسترول الضار (LDL) في الدم، وهو ما يمنح “البازين” ميزة وقائية للقلب والأوعية الدموية.

لا تقتصر القوة الغذائية للبازين على كتلته النشوية؛ فـ “المرق” الذي يحيط بها يمثل استكمالاً للمصفوفة الغذائية من خلال اللحم (الضأن أو الإبل) والبيض المسلوق، مما يوفر الأحماض الأمينية الضرورية لترميم العضلات، كما  يحتوي المرق الليبي عادة على الكركم (الذي يحتوي على الكركمين المضاد للالتهابات) والبصل والثوم، وهي عناصر تعزز جهاز المناعة، و الشعير غني بالسيلينيوم، الماغنيسيوم، وفيتامينات مجموعة (B)، بينما توفر البطاطس والبيض عناصر البوتاسيوم وفيتامين (D).

اما من الناحية الطاقية، يبلغ متوسط السعرات الحرارية في طبق البازين التقليدي حوالي 1272 سعرة حرارية، قد يبدو هذا الرقم مرتفعاً في سياق نمط الحياة الخامل، لكنه بالنسبة للصائمين في رمضان أو لسكان المناطق الصحراوية والجبلية في الشتاء، يعتبر “وقوداً طويل الأمد” يضمن استمرارية الطاقة والشعور بالشبع لساعات طويلة بفضل الكربوهيدرات المعقدة.

وللاستمتاع بهذا الإرث الغذائي دون قلق، ينصح خبراء التغذية بإجراء تعديلات طفيفة، منها  استخدام زيت الزيتون البكر في تحضير المرق بدلاً من الدهون الحيوانية المشبعة، و اختيار قطع لحم قليلة الدهون أو الاعتماد على لحم الإبل الذي أثبتت الدراسات انخفاض نسبة الكوليسترول فيه مقارنة بالأنواع الأخرى.

و نظراً لكثافته الغذائية، يُفضل أن يكون البازين وجبة الغداء الرئيسية مع تقليل الوجبات الأخرى في اليوم نفسه لضمان توازن السعرات.

إن البازين الليبي يثبت مجدداً أن العودة إلى الجذور ليست مجرد حنين للماضي، بل هي خيار صحي مدعوم بالبراهين العلمية، يجمع بين لذة المذاق وصيدلية الطبيعة المختبئة في حبات الشعير.

شاهد أيضاً

**سبع سفن في طريقها إلى ميناء طرابلس تحمل شحنات متنوعة**

**سبع سفن في طريقها إلى ميناء طرابلس تحمل شحنات متنوعة**

تشهد حركة الشحن في ليبيا نشاطًا ملحوظًا، حيث تتجه سبع سفن تجارية نحو ميناء طرابلس …