الصباح/ خاص
شهدت فعاليات “معرض اللواء 444 للكتاب”، يوم الخميس الماضي، محاضرة فكرية للباحث في التراث والتاريخ “عبد المطلب أبو سالم”، بعنوان: “النشاط الدبلوماسي الليبي في العهد القرمانلي”..
وقدَّم الشاعر “خالد درويش” المحاضرَ في مستهل المحاضرة، متوقفاً عند محطات مسيرته البحثية في توثيق الحقب التاريخية الليبية، ودوره في صون الذاكرة الوطنية، معتبراً إياه أحد الحراس الأمناء على تاريخنا الذي تعرض في مراحل كثيرة للتشويه أو النسيان..
القرمانليون.. بناء الدولة من رحم الفوضى
وأكد المحاضر أن ليبيا في العهد القرمانلي “1711–1835″، لم تكن مجرد ولاية تابعة، بل عاشت تجربة “حكم وطني محلي مستقل بامتياز”.
وانتقد الباحث حالة “الجمود أو الإنكار” التي تصبغ نظرة البعض لهذه الحقبة، موضحاً أن بذور الدولة الحديثة غرست يوم “27 يوليو 1711″، على يد “أحمد باشا القرمانلي”..
وبيَّن نجاح “أحمد باشا”، بذكائه السياسي ودعم القبائل والأهالي، في وأد الفوضى والصراعات المريرة على السلطة، ليضع حجر الأساس لكيان سياسي مهاب الجانب، نضجت ملامحه السيادية في عهد “يوسف باشا القرمانلي”..
واستعرض أبو سالم قصة استرجاع “مرآة العرش” الرمزية، كدلالة على استعادة “الروح السيادية” للدولة، التي كانت تخاطب ملوك أوروبا والولايات المتحدة بلسان الند للند..
دبلوماسية الند للند: من باريس إلى واشنطن
في استعراضه للعلاقات الخارجية، كشف “أبو سالم” عن شبكة دبلوماسية معقدة كانت طرابلس مركز ثقلها:
فرنسا: بيّن المحاضر كيف أن طرابلس كانت رائدة إفريقياً وإسلامياً في الانفتاح الدبلوماسي مع فرنسا منذ عهد الملك “هنري الرابع”..
وتوقف عند الحقبة النابليونية، حيث لم تكن العلاقة مجرد اتفاقيات تجارية، بل وصلت لدرجة لعب “نابليون بونابرت” دور “الوسيط” بين طرابلس والسويد، ما يعكس الثقل الجيوسياسي للإيالة..
بريطانيا: لفت الباحث إلى أن الاعتراف البريطاني بليبيا القرمانلية، تجسد في معاهدات مكتوبة باللغتين العربية والإنجليزية منذ عهد الملك “جورج الأول”، وصولاً إلى الدور التنويري لـ “حسونة الدغيس”، الذي لم يكن مجرد دبلوماسي، بل كان مفكراً دستورياً حاور الفيلسوف الإنجليزي “جيريمي بنثام” لوضع مشروع دستور متطور لطرابلس عام “1822”..
شمال أوروبا وأمريكا: لم تكن العلاقات محصورة في القوى التقليدية؛ إذ ازدهرت التجارة مع السويد والدنمارك “التي احتفت بالاتفاق مع طرابلس بـ 21 طلقة مدفعية”، وصولاً إلى “معاهدة طرابلس” الشهيرة مع الولايات المتحدة عام “1796”، والتي وقَّعها الرئيس “جون آدامز”، لتكون واحدة من أقدم الوثائق المنظمة للعلاقات بين الدولة الليبية وأمريكا الناشئة..
رسالة إلى الحاضر
خلُص “عبد المطلب أبو سالم” في ختام جولته التاريخية إلى رسالة جوهرية:
العهد القرمانلي ليس مرحلة هامشية، بل هو المختبر الذي تشكَّلت فيه “الشخصية الوطنية الليبية”..
وشدَّد على أن استعادة قراءة هذا التاريخ بوعي، وبعيداً عن الأحكام السطحية، هي ضرورة وطنية لفهم جذور الدولة الليبية، وقدرتها التاريخية على لعب دور فاعل في خرائط السياسة الدولية..
كانت المحاضرة دعوة صريحة لكل المهتمين بالشأن العام، مفادها:
أن من يريد رسم مستقبل دبلوماسي قوي لليبيا، عليه أولاً أن يقرأ جيداً كيف كانت طرابلس تفرض شروطها واتفاقياتها على ضفتي الأطلسي والمتوسط..
ونعرض هنا محطات هذه الدبلوماسية في نقاط:
– الدبلوماسية القرمانلية (1711–1835)
1. التأسيس والسيادة (البداية والذروة)
– 27 يوليو 1711: أحمد باشا القرمانلي يؤسس الدولة وينهي الفوضى بدعم شعبي وقبلي.
– يوسف باشا القرمانلي (1795–1832): العصر الذهبي للدبلوماسية؛ حيث كانت طرابلس رقماً صعباً في البحر المتوسط.
– رمزية السيادة: “مرآة العرش” التي تجسد شعار الدولة وهيبتها السياسية.
2. خارطة المعاهدات الدولية (ندية واعتراف)
– مع فرنسا (1711 – 1801): تجديد معاهدات السلام، ووساطة نابليون بونابرت بين طرابلس والسويد.
– مع بريطانيا (1716 – 1751): معاهدات سلام وصداقة بـ 30 بنداً كُتبت بالعربية والإنجليزية في عهود الملوك جورج الأول والثاني.
– مع أمريكا (1796): “معاهدة طرابلس” التاريخية الموقعة في عهد الرئيس جون آدامز لتنظيم العلاقات مع الدولة الناشئة.
– مع شمال أوروبا: معاهدات مع السويد (1741) والدنمارك-النرويج (1752) مع طقوس بروتوكولية كاملة (21 طلقة مدفعية).
– مع إسبانيا والبرتغال: افتتاح أول قنصلية إسبانية في “باب البحر” (1784)، ومعاهدة سلم وتجارة مع البرتغال (1799)..
3. الريادة الفكرية والسياسية
– حسونة الدغيس (1822): مبعوث طرابلس الذي وضع مشروع “دستور” متطور بالتعاون مع الفيلسوف جيريمي بنثام، في خطوة سبقت محيطها العربي بعقود..
الدروس المستفادة من التجربة القرمانلية (قراءة معاصرة)
من خلال تحليل نص المحاضرة، يمكننا استخلاص دروس جوهرية تصلح كركائز للسياسة الخارجية الليبية اليوم:
– الشرعية الداخلية أساس القوة الخارجية: نجاح أحمد باشا القرمانلي في فرض هيبته دولياً بدأ من قدرته على إنهاء الفوضى وتحقيق التفاف القبائل والأهالي حوله.
– دبلوماسية التوازن: تمكنت طرابلس من اللعب على التناقضات الدولية (مثل علاقتها بفرنسا نابليون في مواجهة القوى الأخرى)، مما جعلها وسيطاً ومؤثراً لا مجرد تابع.
– التوثيق والندية: الإصرار على كتابة المعاهدات باللغة العربية بجانب لغة الدولة الأخرى (كما في معاهدات بريطانيا والبرتغال وأمريكا) يعكس وعياً قانونياً وسيادياً بالندية الدولية.
– الاستثمار في العقول (الدبلوماسية الثقافية): تجربة حسونة الدغيس تؤكد أن قوة الدولة تتجاوز حدود أساطيلها العسكرية؛
تتجلى في براعة سفرائها وصناعتهم للأثر من خلال محاورة كبار فلاسفة ومنظري العصر لتطوير المنظومة السياسية..
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية