منصة الصباح
طارق القزيري

“آوال”: من الداموس لكتابة تاريخ الهامش

طارق القزيري

في روايته “آوال: سيرة جني في طرابلس” لا يكتفي الكاتب الليبي صلاح إنقاب بنفض الغبار عن “صندوق الجد” المنسي في جبل نفوسة، بل يفتح جرحاً عميقاً في الذاكرة الليبية. إنه نص يتأرجح ببراعة بين التوثيق التاريخي والواقعية السحرية، طارحاً قضية الهوية والصراع الصامت بين “الجبل” و”الساحل” عبر حنجرة كائن لا ينتمي للبشر، ولكنه – للمفارقة – كان الأكثر صدقاً في تدوين أوجاعهم.

العنوان كعتبة أولى للصراع

لا يمكن لقارئ “آوال” أن يتجاوز العنوان باعتباره اسماً علمياً فقط. “آوال” في اللسان الأمازيغي تعني “الكلمة” أو “اللسان”. ومن هنا يؤسس الكاتب لثيمته المركزية: الرواية هي محاولة لانتزاع “الكلمة” ممن سُلبت منهم طويلاً. الجني هنا ليس مجرد عفريت فانتازي، بل هو معادل رمزي للهوية الأمازيغية التي ظلت “خفية” لعقود؛ حاضرة في كل تفاصيل المشهد الليبي، ترى وتسمع، لكنها مغيبة عن المتن الرسمي، وممنوعة من الفعل أو الكلام.

الجني.. الشاهد على “التفليقة” والجرح الداخلي

عبر العلاقة بين الصبي “سليمان” وهذا الكائن الضوئي، يمرر الكاتب سرداً موجعاً لمرحلة “التفليقة” (1916-1917). هنا، يغادر النص منطقة الراحة التاريخية ليقول المسكوت عنه: إن الخسارة الكبرى لم تكن احتلال الإيطاليين للأرض فحسب، بل كانت في الشرخ الاجتماعي والعرقي بين “أهل الجبل” والقبائل المجاورة.

لم يصور إنقاب الصراع كملحمة، بل كخيانة داخلية وجوع، حيث تتحول “الفتنة” إلى وحش يأكل الجميع. وحين منح بطله سليمان القدرة على فهم “منطق الدواب”، كان يلمح بذكاء إلى أن البشر (السياسيين والزعماء) كذبوا ونافقوا، بينما كانت الطبيعة (والضحايا الصامتون) وحدها من تملك الحقيقة.

جغرافيا الهوية: قلب المركز والهامش

يحدث إنقاب في نصه انزياحاً جغرافياً لافتاً؛ “الجبل” في الرواية ليس هامشاً، بل هو “المركز” ومخزن الذاكرة، بينما تبدو طرابلس والساحل “منفى” واغتراباً.

هذا التنقل من “تامزدا” إلى أزقة طرابلس ليس مجرد حركة مكانية، بل هو رصد لتحولات الهوية المقهورة. ومع تطعيم النص بمفردات نفوسية كثيفة (تيمغطال، آزل، إيمال)، يفرض الكاتب لغته كجزء عضوي من الحكاية، رافضاً أن تكون مجرد فلكلور، بل يؤكد أنها الوعاء الحقيقي لهذه الذاكرة.

من التلميح إلى الصرخة: “د إيمازيغن”

إذا كانت الرواية في نصفها الأول تهمس بقضية الهوية، فإنها في الفصل الخامس عشر المعنون بـ “د إيمازيغن” تصرخ بها عالياً. في هذا الفصل، يسقط القناع الروائي قليلاً ليكشف الوجه القبيح للاضطهاد الممنهج، خاصة في الحقب السياسية المتأخرة (زمن القذافي).

هنا يتحول النص من سرد حكاية الجد إلى مساءلة التاريخ السياسي الذي حول مكوناً أصيلاً من الشعب إلى مجرد “ملف أمني” أو تهمة جاهزة، رابطاً بوضوح بين “الكينونة” (نحن أمازيغ) وبين دفع الثمن.

ولكن

رغم قوة الطرح، قد يشعر القارئ أحياناً بـ “تخمة توثيقية” حيث يطغى صوت المؤرخ على صوت الروائي، خاصة عند سرد وقائع المعارك. كما أن سلبية البطل “سليمان” (كمراقب لا فاعل) قد تستفز البعض، لكنها تبدو مقصودة فنياً؛ فسليمان يمثل المواطن الذي طحنه صراع الكبار، فلم يتبقَ له سوى “المشاهدة” والحفظ.

أعتقد أن رواية “آوال” لصلاح إنقاب هي وثيقة إدانة للنسيان، وانتصار لـ “آوال” (الكلمة) التي عادت من الداموس. إنها تقول بوضوح: قد يرحل الجني، وقد يموت الجد، لكن اللغة والذاكرة التي حفرت في صخر الجبل لا تموت، بل تظل “جنية” تسكن طرابلس وتطارد كل من يحاول طمسها.

عمل جريء يمزج التاريخ بالهوية، وينجح في تحويل “الأرشيف البارد” إلى سردية إنسانية ساخنة، تعيد الاعتبار للمهمشين في تاريخ ليبيا الحديث.

شاهد أيضاً

أحلام محمد الكميشي

سيف الإسلام.. وغموض الساعة الأخيرة

شكَّل الإعلان عن اغتيال سيف الإسلام القذافي حدثًا لافتًا في سياقه السياسي والأمني، ليس فقط …