اعداد/ مني عربيي
تقع مدينة درج الأثرية في غرب ليبيا بمنطقة نالوت الصحراوية، بالقرب من الحمادة الحمراء، على بعد حوالي 550 كيلومترًا جنوب غرب طرابلس، ما منحها موقعًا استراتيجيًا منذ القدم. وتعد درج حلقة وصل بين الواحات والمدن الساحلية، حيث شهدت حضارات متعاقبة وتركت بصماتها في هذه الواحة الصحراوية الغنية بالتاريخ.
وتشير الدراسات الأثرية إلى أن جذور المدينة تمتد إلى القرن الثامن قبل الميلاد، مع وجود آثار تعود للحضارات الفينيقية، القرطاجية، والرومانية، ما يدل على أن درج كانت جزءًا من شبكة حضارية قديمة في شمال أفريقيا. كما احتفظت المدينة بتأثير ثقافات الصحراء، وخاصة الجرمنت، أسلاف الطوارق، الذين تركوا نقوشًا ورسومات صخرية تحكي قصص الحياة اليومية والتواصل بين الإنسان وبيئته الصحراوية.

تتميز درج بمعمارها التاريخي الفريد، حيث تضم المدينة القديمة قلعًا، أبراج مراقبة، وأسوارًا تاريخية، تعكس أساليب الدفاع والحياة المنظمة لسكانها عبر العصور. ومع دخول الحقبة الإسلامية والعثمانية، أضيفت إلى المدينة عناصر معمارية تعكس هذه الفترات، مثل السرايا التركية والبيوت التقليدية، ما جعلها تحفة تاريخية شاملة تجمع بين العصور القديمة والوسطى.
يبرز التراث الثقافي للمدينة أيضًا في متحف البيت الدرجي، الذي يعرض أدوات منزلية وزراعية، وملابس تراثية، وأسلحة قديمة، ليمنح الزائر لمحة حية عن حياة أهل المدينة عبر القرون. ولعبت درج دورًا تاريخيًا بارزًا في مقاومة الاحتلال الإيطالي خلال أوائل القرن العشرين، حيث شارك رجال ونساء المدينة في معارك التحرير، مؤكدين صمود أهلها وإصرارهم على حماية تراثهم وهويتهم.
اليوم، تحتفظ درج بروحها التاريخية من خلال مهرجانات ثقافية ومعارض للحرف التقليدية، إلا أن المدينة تواجه تحديات تآكل آثارها الطبيعية والإهمال، ما يستدعي جهودًا للحفاظ على هذا الإرث الثمين للأجيال القادمة.
إن مدينة درج الأثرية ليست مجرد موقع أثري، بل شاهد حي على عراقة ليبيا وتنوع حضاراتها، تجمع بين الماضي العميق والحياة الثقافية المستمرة، وتبرز كواحة تاريخية فريدة في قلب الصحراء الليبية.

منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية