الطب ليس مهنة عادية ولا مجالًا للتجربة ولا ساحة للارتزاق، الطب إنسانية ورحمة وكرامة ومسؤولية قصوى، وهو كفاءة عالية لا تقبل الخطأ ولا تبرر الإهمال،
الطب جودة ودقة وإتقان وأمان، ونظافة وتعقيم وتطهير ومعايير صارمة، وهو قداسة للإنسان حيًا كان أو مريضًا أو ميتًا، وممارسة إنسانية راقية لا تُؤدى إلا بعلم ومعرفة وتخصص وترخيص وتمكن، وتُحاط بالتوثيق والتدقيق والمراجعة والرقابة والمساءلة، لأن أي خطأ فيه لا يكون عابرًا بل قد يكون قاتلًا.
الخطأ في الطب غير مقبول وغير مبرر وغير مشروع، والإهمال فيه من الكبائر، والتجارة والارتزاق باسم الطب أو من خلاله خطر وجودي يهدد الحياة ويهدم الثقة ويشوّه المهنة، فالطب أخلاق قبل أن يكون مهارة، وأخلاقيات قبل أن يكون إجراء، والغش فيه جريمة، والجرأة غير المحسوبة جريمة، وكل خطوة تُمارس دون علم أو معرفة أو خبرة أو تعلم أو تدريب هي إيذاء متعمد وشروع في قتل وتدمير لحياة إنسان.
الطبيب أو الفني أو الممرض أو أي شخص له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بصحة الناس وحياتهم إذا لم يكن مؤهلًا تأهيلًا عاليًا ومرخصًا بشهادات موثقة ومعتمدة من دولة منضبطة بالقوانين والحزم والتدقيق، فممارسته ليست خطأً مهنيًا بل ممارسة إجرامية تعرض سلامة وكرامة وصحة وحياة الناس للخطر، والتحايل والاكتساب والمتاجرة في أي خطوة يمر بها المريض في رحلة علاجه جريمة، وكل تقصير في إجراء ضروري لم يُتخذ أو تأخر اتخاذه جريمة، وكل إجراء قام به غير مختص جريمة، وكل إجراء اتُخذ لمريض ليس في حاجة إليه جريمة أخلاقية ومهنية كبرى، وكل إجراء طبي يُتخذ بدافع الربح أو زيادة الخبرة أو تعظيم المكاسب الشخصية أو المؤسسية هو جريمة مكتملة الأركان، لأن جسد الإنسان ليس حقل تجارب، ومرضه ليس فرصة، وألمه ليس سلعة.
والعبث بالطب لا يتوقف عند التشخيص والعلاج، بل يمتد إلى ما بعد الإجراء الطبي نفسه، ليشمل كيفية التعامل مع الجسد الإنساني ومخلّفاته، وهنا تتجلى إحدى أبشع صور الجريمة المستترة.
فالنفايات الطبية ليست قمامة، بل امتداد لقداسة الجسد الإنساني ومسؤولية أخلاقية ومهنية وقانونية لا تقبل العبث، فالنفايات الطبية بكل أشكالها خطيرة بطبيعتها، ولها معايير وقواعد وإجراءات دقيقة ومحددة في الجمع والتصنيف والتعامل والنقل والمعالجة والتخلص النهائي، وينطبق ذلك على الدم والسوائل البشرية، والأنسجة، والأطراف المبتورة، وبقايا العمليات الجراحية، والعينات البيولوجية، والمشيمة، والأجنة المجهضة طبيًا، وأي جزء أو خلية بشرية ناتجة عن علاج أو حادث أو حرب أو كارثة، فكلها تحمل قداسة الإنسان وكرامته، ولا يجوز التعامل معها كمواد مهملة أو مخلفات عادية.
إن التعامل مع هذه المواد يخضع لسلسلة صارمة من الإجراءات المهنية تبدأ بالتوثيق الدقيق، والفرز الصحيح، والتغليف الآمن، والجمع المنضبط، والنقل عبر مسالك مخصصة، والمعالجة بوسائل معتمدة، والتخلص النهائي في أماكن مهيأة لذلك، باستخدام أدوات وتجهيزات خاصة، وتحت إشراف مهني ورقابي صارم، بما يضمن حماية الإنسان، وحماية العاملين الصحيين، وحماية البيئة، والحفاظ على نظافة وطهارة وتعقيم المرافق الصحية وكل ما يحيط بها.
وأي إخلال بهذه المنظومة، أو استهانة بهذه القواعد، أو رمي أو تسريب أو تداول غير مهني للنفايات الطبية، أو العبث بالأطراف والأنسجة والسوائل البشرية، هو جريمة بشعة مكتملة الأركان، جريمة بحق الإنسان حيًا وميتًا، وبحق المهنة،
وبحق الصحة العامة، وبحق البيئة، ولا يمكن تبريرها بضعف الإمكانات أو غياب التنظيم أو الاعتياد على الخطأ، لأن ما يُنتهك هنا ليس إجراءً فنيًا بل قداسة الجسد الإنساني نفسها. أي فرد أو مؤسسة أو منظومة تخالف القوانين وآداب وأخلاقيات ومعايير وقواعد مهنة الطب المقدسة ترتكب جرائم بشعة لا تُغتفر، وجرائم تُرتكب باسم الطب تفوق في قسوتها كثيرًا من الجرائم التي عرفتها البشرية، لأنها تُرتكب تحت ستار الرحمة وبمعاطف بيضاء، وتستبيح الثقة وتخون الأمانة وتهدد الحياة وتشوه قداسة المهنة. لهذا فإن الوقوف الصارم في وجه العبث بالطب ليس خيارًا بل واجب أخلاقي ووطني، يبدأ بتجريم كل أشكال الممارسة غير المؤهلة وغير المرخصة،
وبتعليم طبي راسخ، وتدريب سريري متقدم تقوده الدولة، وباعتماد صارم للتعليم والتدريب والبحث والخدمات الصحية، وبحوكمة حقيقية ورقابة فاعلة ومساءلة لا تعرف المجاملة، لأن سلامة وكرامة وصحة وحياة الناس خط أحمر، لا تهاون فيه، ولا متاجرة به، ولا تلاعب به تحت أي ذريعة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية