منصة الصباح
رواية الــفــارسـي حـيـن تـتـرنـم الـجـاسوسيـة على إيـقـاع النـفس البـشرية

رواية الــفــارسـي حـيـن تـتـرنـم الـجـاسوسيـة على إيـقـاع النـفس البـشرية

ترجمة عبدالسلام الغرياني

تتجلى رواية “الفارسي” للكاتب ديفيد مكلوسكي كنسيج أدبي محكم الغزل، يتخطى الأطر المعتادة لروايات الإثارة ليرسي قواعده في منطقة بكر تزاوج بين دقة الخبرة الاستخباراتية الميدانية ورحابة العمق الإنساني.

لقد استثمر مكلوسكي سنواته التي قضاها محللاً في أروقة وكالة المخابرات المركزية ليصوغ ملحمة سينمائية ممعنة في الواقعية، تدور رحاها حول صراع الإرادات بين القوى الكبرى في هذا العالم، يتجاوز الصدام حدود السلاح التقليدي، ليغدو حرباً شعواء تستهدف استلاب العقول والسيطرة على الأفئدة، ضمن مناخ يغلي بالتوترات الجيوسياسية الحادة التي تربط خيوطها بين واشنطن وطهران وموسكو.

وتنفتح ستائر الحبكة على اندفاعة سردية عارمة تستحضر من جديد عالم “سام جوزيف” و”مريم حداد”، اللذين حفرا مكانتهما في ذاكرة القراء عبر أعمال مكلوسكي السابقة، ليجدا نفسيهما في مواجهة خصم استثنائي يلقب بـ “الفارسي”.

يتجاوز هذا الغريم كونه مجرد رقم عابر في قائمة الأعداء التقليديين، فهو عقل استراتيجي فذ يختزل في دهاءه أقصى درجات المهارة الاستخباراتية الإيرانية، الأمر الذي ينقل الرواية من فضاء المطاردات الأمنية المعتادة إلى رحاب مباراة شطرنج كبرى، تُدار قطعها ببراعة فوق رقعة جغرافية واسعة تمتد من أزقة دمشق العتيقة إلى دهاليز الكرملين الحصينة، وصولاً إلى العمق الجغرافي والسياسي لإيران.

ويكمن تفرد مكلوسكي في هذا النص داخل تشريحه المجهري لما يُعرف بـ “أصول الحرفة”، إذ يتجسد ذلك في مشاهد المراقبة الميدانية التي تحبس الأنفاس؛ ففي أزقة طهران المزدحمة، حيث يختلط عبير التوابل برائحة الغبار العتيق، يتحرك “سام جوزيف” بخطوات مدروسة لا تثير ريبة العابرين، وعينه لا تحيد عن ذلك الظل الذي يمثله “الفارسي”.

هنا يصور مكلوسكي بدقة كيف يتوقف الخصم فجأة ليتأمل واجهة محل تجاري، مستخدماً انعكاس الزجاج كمرآة كاشفة لهوية من يقتفي أثره، في لحظة يمتزج فيها عرق القلق ببرودة الحسابات الاستراتيجية.

إن هذا الانغماس في “الواقعية الإجرائية” يلقي في روع القارئ ثقلاً ملموساً للمسؤولية والمخاطر التي تتربص بكل خطوة؛ فالعثرة الصغيرة هنا لا تقود نحو الفشل فحسب، وإنما تمهد الطريق لموت محقق، أو لما هو أمضى وأقسى: الخيانة التي تقع دون قصد.

وعلى الصعيد الدرامي، يتفوق مكلوسكي في تجسيد “الضبابية الأخلاقية” التي تغلف عالم التجسس، حيث تتلاشى الحدود الفاصلة بين الخير والشر؛ فلا وجود هنا لأبطال يرتدون ثوب النقاء المطلق، ولا لخصوم يجسدون الشر المحض، وإنما هي شخوص بشرية تحركها دافعية الخوف، أو لوعة الانتقام، أو حتى جذوة الحب التي تستحيل في هذا الفضاء الموحش ثغرة قاتلة.

وتظل الرابطة بين سام ومريم هي النبض الجوهري للسرد، إذ يضع الكاتب عاطفتهما تحت مجهر الاختبار، متسائلاً عن قدرة المشاعر على البقاء في بيئة تتغذى على الشك والريبة.

إن هذا الغوص في أغوار النفس يكشف كيف يمعن العمل السري في تفتيت الروح الإنسانية، تاركاً العميل يتخبط في تيهٍ موحش بين إخلاصه لراية وطنه واستجابته لنداء ضميره المثقل.

تترسخ رواية “الفارسي” كشهادة حية على سطوة الكلمة حين تمتزج بالخبرة اليقينية، لتعلن عن بزوغ فجر جديد لأدب الجاسوسية يتجاوز مجرد الترفيه العابر. إنها ترنيمة حزينة عن عالمٍ يُضحى فيه بكل شيء في سبيل معلومة، وقصة تذكرنا بأن أشد المعارك ضراوة هي تلك التي تدور في صمت خلف الأبواب المغلقة.

لقد استطاع مكلوسكي أن يمنح القارئ مرآة تعكس تعقيدات عصرنا الحالي، مؤكداً أن الحقيقة في غابة الاستخبارات ليست وجهة نصل إليها، وإنما هي سراب يطاردنا، وأن الانتصار الحقيقي ليس في سحق الخصم، بل في الحفاظ على بقايا الإنسانية وسط ركام الخديعة.

شاهد أيضاً

حق النفاذ إلى المعلومة.. بين صحفي مُبادر ووزارات وراء سواتر

طارق بريدعة نظَّمت اللجنة الثقافية بالهيئة العامة للصحافة، “رواق الصحافة”، اليوم الثلاثاء، جلسة حوارية بمقر …