بسّام مصطفى عيشة
توفي يوم الأربعاء (13 أغسطس 2025) الأديب المصري صُنع الله إبراهيم في أحد مستشفيات القاهرة، إثر إصابته بالتهاب رئوي حاد عن عمر ناهز 88 عامًا.
ويُعتبر صنع الله إبراهيم من أهم الأدباء العرب المعاصرين، حيث شكّلت تجربته الروائية الممتدة لأكثر من خمسة عقود، مشروعاً روائياً فريداً قائماً على التجريب من جهة والالتزام السياسي الواضح من جهة أخرى.
وقد بدأ أديبنا مسيرته الحافلة بالإبداع كصحفي، وظلّ وفيّاً طيلة رحلته الأدبية للصحفي الذي يسكن أصابعه ووجدانه، حيث بقي “مؤرّخًا للحظة” على حدّ وصف ألبير كامو في جميع أعماله الرّوائيّة التي تميّزت “بتوثيق” المراحل المفصليّة من تاريخ مصر والمنطقة المعاصر بسردٍ أدبيٍّ فريدٍ، حتّى أنّ بعض رواياته “تضمنت أجزاءَ مستقلّة من قصاصاتٍ صحفية وإعلاناتٍ تأخذ القارئ إلى يوميات الحقبة التاريخية التي تجري فيها أحداث الرواية”، فكأنّه “يصوّر” بقلمه و”يرسم” بكلماته ما يعيشه ويشاهده ليُنتج “تحقيقًا صحفيًّا” على شكل “رواية أدبيّة”، حيث “تتداخل السّرديات الشخصية مع المراجع الواقعية، ما يجعل من رواياته أرشيفاً حيّاً للّحظة التاريخية، وشهادة على زمنها لا تقلّ أهمية عن التأريخ الرسمي”، إن لم تكن “بديلًا” أدبيًّا للمسكوت عنه فيه.
اشتغل في الصحافة لدى وكالة الأنباء المصرية عام 1967، ثم عمل لدى وكالة الأنباء الألمانية في برلين الشرقية عام 1968، حتى عام 1971، وبعدها اتَّجه إلى موسكو لدراسة التصوير السينمائي، والعمل على صناعة الأفلام. ثم عاد إلى القاهرة عام 1974 في عهد الرئيس “السادات”، وتَفرَّغ للكتابة الحُرة كليًّا عام 1975.

فرادة الاسم
“صنع الله إبراهيم”، اسمٌ فريدٌ، أذكر عندما كنّا نمرّ قرب مكتبة “دار التقدّم” بدمشق، وكان معنا أحد الزّملاء حيث وقف أمام غلاف رواية “اللجنة” التي ألفها المرحوم، ثم قال “صَنعَ الله إبراهيم، راهو، رواية سمحة، تحكي قصّة سيّدنا إبراهيم !!”، ثم أصبحنا نتداولها “كطرفة”.
ولكّن في الواقع سبّب هذا الاسم لأديبنا الكثير من المتاعب في طفولته وفي مدرسته، ويروي في إحدى مقابلته كيف اختار له والده هذا الاسم “فتح المصحف ووضع أصابعه على إحدى السُّوَر، فوقع على آية “صُنعُ الله الذي أتقن كل شيء” من سورة النّمل”، فصار اسمي “صُنع الله”.
وكما تقول العرب “الاسم يؤثّر على الشخصية”، ففرادة اسمه جعلته “فريدًا” في حياته، بداية من اتّجاهه السّياسي، فقد تفرّد “بيساريًته” وسط عائلة “برجوازيّة” كان والده ينتمي إليها، الذي تزوّج من ممرّضة عقب وفاة زوجته الأولى، ولكنّ العائلة رفضتها لأسباب “طبقيّة”، وهي من أنجبت له “صُنع الله” الذي قال ذات مقابلة معه “اليسارية بدأت من المنزل”، ولذلك انخرط في العمل السّياسي أثناء دراسته في كليّة الحقوق بالقاهرة، حيث انضمّ إلى “الحركة الدّيموقراطية للتحرّر الوطني – حدّتو”، وهي تنظيم شيوعي سرّي.
فرادة الانتماء
وبسبب هذا الانتماء السّياسي “استضافته” السّجون المصريّة عدّة مرّات ولعددٍ من السّنوات، بداية من عام 1959 في عهد الرّئيس عبد النّاصر حيث سجن لمدة قاربت ستّ سنواتٍ داخل سجون “القلعة، وأبو زعبل، والواحات” ضمن حملة قمعٍ واسعة النّطاق ضدّ الشّيوعيين.
ومثل أغلب أدباء عصره، أنضجت “الزنازين”، والقراءات المتعدّدة فيها تجربته الفكريّة التي دوّنها لاحقاً في كتابه “يوميات الواحات”، واصفًا السجن بأنه “جامعته” الحقيقية، حيث ترسّخت قناعته بأن الكتابة ليست مهنة فحسب، بل “شكلاً من أشكال المقاومة”.
تجلّت في مواقفه الأخلاقيّة والإنسانيّة الرّافضة لكلّ أشكال “المهادنة” أو “التّواطؤ” كان إنسانًا “لا يخضع للاستهلاك” لا في مسكنه أو ملبسه أو في حياته الشخصية في الشارع وفي الحافلة والأسواق وفي غيرها من المواقف التي تصوّره شخصًا عاديًّا يشبه الآخرين في معاناتهم وآلامهم، ولكنّه يتفرّد عنهم في “اختراق السّائد، والمضيّ في سبر أغوار الزّواريب والحطام، لا لتأريخ ما حدث، بل لتفكيك آليّاته وأسبابه، ليفتح الأعين على الندوب”، لأنّ الرواية عنده “فعلٌ سرديٌّمقاومٌ”.
وردا على زميله المصور الذي استغرب كيف أن كاتبا كبيرًا يعيش في شقة متواضعة وسبق له أن رفض جائزة تبلغ قيمتها المالية حوالي 24 ألف دولار، كتب خيري حسن أن صنع الله إبراهيم “لو أراد أن يسكن في المنتجعات السياحية لسكن.
ولو أراد السكن في فيلا لسكن. ولو أراد أن يسكن في شقة 500 متر لسكن. لكنه رفض كل ذلك (ليسكن) في قلب وعقل وضمير مصر التي أحبها وكتب وأخلص في حبها” في شقّة لا تزيد مساحتها عن 80 مترًا، ولكنّها بمساحة العالم بأسره إبداعًا.
فرادة الأدب
تجلّت تجربته “السّجنيّة” في روايته الأولى “تلك الرائحة” التي أحدثت صدمة “أدبيّة” عند صدورها عام 1966، حيث “صوّر” فيها حالة الاغتراب والفراغ الوجودي لشابٍّ خرج لتوّه من السجن ليجد نفسه تائهاً في مجتمع فاقد للبوصلة.
وقد قرأها اللبنانيون والسوريون قبل المصريين، لأنها منعت في مصر، ونشرت في عدد خاص في مجلة “شعر”، وكانت في الستينيات تمثل التجريب والحداثة في الأدب”.
حيث رُفضت الرواية من قبل الرقابة وصودرت بدعوى “البذاءة”، ولم تُنشر بنسختها الكاملة في مصر إلا بعد مرور 20 عاماً، حيث اعتبره النّقاد “لحظة مفصلية” في تطور الرواية العربية الحديثة.
ولذلك بقيت “اللجنة” التي صدرت عام 1981 تعتبر أولى رواياته المنشورة، وتعدّ من أشهر أعماله وأكثرها رمزية ومبيعًا، فمن خلالٍ قصّة رجلٍ يُستدعى للتّحقيق من قبل لجنة “مجهولةٍ”، “يصوّر” فيها “زمن الانفتاح” في عهد السّادات، مُجتمعٌ استبداديٌّ،”تغوّلت” فيه العولمة، و”توحّشت” فيه الشّركات الكبرى، فتحوّل الزّمن إلى “كابوسٍ خانقٍ” و”اغترابٍ” حدّ أن تغدو زجاجة “الكوكاكولا” إحدى شخصيّات الرّواية.
بعد “اللجنة”، صدرت روايته “بيروت بيروت” عام 1984، والتي يمكن وصفها عن حقٍّ بأنّها “تحقيق صحفي” بنكهة “الرّواية”، حيث كتبها بعد أن أمضى حوالي شهرٍ في بيروت بعد اأنوضعت الحرب الأهلية أوزارها، ورغم أنّه أردها أن تكون “استراحة” من “تحقيقات الكآبة” إلى “قصّة حبٍّ”، إلاّ أنّ طّبع غلب التطبّع فكانت “غرقًا في محاولة فهم الحرب الأهلية اللبنانيّة” على حدّ تعبيره في لقاءٍ صحفي معه، حيث قال: “أمضيت في بيروت حوالي شهر، وخلالها نشأت قصة حب.
كنت قد انتهيت لتوّي من كتابة اللجنة وتلك الرائحة، وقلت لنفسي: كفى من هذا… أريد أن أكتب قصّة حب. ولكن ما إن بدأت أكتب، حتى وجدت نفسي غارقاً في الحرب الأهلية اللبنانية، وقلت لنفسي: أليس من المفترض أن أحاول فهم ما يحدث هنا بالضبط؟ فبدأت أُجري أبحاثاً. وجدت أفلاماً، ووثائق، وما إلى ذلك، وذهبت إلى الأرشيفات”.
أمّا روايته “ذات” والتي صدرت عام 1992، التي تحوّلت إلى مسلسل عام 2013 بعنوان “بنت اسمها ذات”، فقد “صوّر” مسار تآكل الطبقة الوسطى في مصر وتحوُّل الدولة من الاشتراكية إلى النيوليبرالية، من خلال سرد “وثائقيٍّ” لامرأة مصرية من الطبقة الوسطى تعمل في قسم “الأرشيف”، تتقاطع حياتها الشخصية مع تحوّلات الدولة المصرية من عهد عبد النّاصر إلى السّادات فمبارك متداخلة مع قُصاصات صحفية واقعية “أرشيفيّة”.

وفي روايته “وردة” وصدرت عام 2000، حاول فيها “تأريخ” ثورة ظفار، وأرشفتها، من خلال سرده لمذكّرات “مناضلة يساريّة” في تداخل متعمّدٍ للوثائقيّ مع السّرد الذاتي، لتكون “وثيقةً”و”شهادةً” ضدّ النسيان المُتعمّد للثّورات المغدورة.
من الصّعب، استعراض “تحقيقات صنع الله الرّوائيّة” في هذه العجالة، والتي “تفرّد” من خلالها بالتوثيق الأدبي للتاريخ، والتركيزِ على الأوضاع السياسية في مصر والوطن العربي، فضلًا عن سرده الكثيرَ من حياته الشخصية.
ومن أشهر أعماله: رواية «شرف» التي تحتلُّ المرتبةَ الثالثة ضمن أفضل مائة رواية عربية، إلى جانب: “أمريكانلي”، و”شرف”، و”برلين 69″، و”التلصّص”، و”نجمة أغسطس”، و”النّيل مآسي”، و”العمامة والقبعة” التي تتمحور حول الحملة الفرنسية في مصر (1798–1801) وتتناول مواضيع السلطة، والاستعمار، وصدام الحضارات.
تفرّد في المواقف
لمزيد من إبراز تفرّده ليس في عالم السّياسة والأدب فحسب، بل في المواقف الاستثنائيّة والشّجاعة، حيث رفض عام 2003، تسلُّم جائزة الرواية العربية، معلنًا سبب هذا الرّفض في كلمته التي ألقاها على مسرح دار الأوبرا المصريّة خلال حفل التسليم لأنّها “صادرة عن حكومة تقمع شعبنا وتحمي الفساد”.
مضيفًا: “دولة تمارس التعذيب، وتقمع حرية التعبير، وتفرض الحصار على الثقافة الحقيقية”. وواصل كلمته التي انتقد فيها سياسة القاهرة الخارجية، وخاصّة “التطبيع” مع إسرائيل، متهمًا الأخيرة بـ”القتل وتشكيل تهديد فعلي لحدودنا الشرقية”. كما ندد بـ”الإملاءات الأمريكية، والعجز في السياسة الخارجية المصرية، وسائر مناحي الحياة”.
وبعد نحو عقد من الزمان، يعد تأكيد “فرادته” حين علّق على ثورة يناير وما جرى في ميدان التحرير “لم يكن ثورة بالتأكيد، فالثورة لها برنامج وهدف: تغيير كامل للواقع أو إزاحة طبقة اجتماعية بأخرى.
ما حدث كان انتفاضة شعبية مطلبها الأساسي هو تغيير النظام، رغم أن معنى هذا لم يكن واضحاً، باستثناء الإطاحة بأبرز رموز النظام القديم”.