منصة الصباح
أدب الذكاء الاصطناعي: هل خسر الأدب صوته الإنساني؟

أدب الذكاء الاصطناعي: هل خسر الأدب صوته الإنساني؟

 خلود الفلاح

 أثار إعلان دار نشر هولندية عن خطتها لترجمة روايات تجارية باستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي الكثير من التساؤلات. هل يمكن للآلة أن تحلّ محل الإنسان في ترجمة النصوص الأدبية؟ وهل تعد الكتابة بمساعدة الذكاء الاصطناعي نوعًا جديدًا من السرقة الأدبية؟

بين من يرى في الذكاء الاصطناعي تهديدًا للإبداع، ومن يعتبره أداة تعزز إمكانيات الكاتب والمترجم، نطرح السؤال: هل سيفقد الأدب صوته الإنساني أم سيجد في الآلة شريكا جديداً؟

تساؤلات جوهرية

المترجم الليبي عبد السلام الغرياني

يرى المترجم الليبي عبد السلام الغرياني، أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقدم مساعدة قوية في ترجمة النصوص الأدبية، لكن لا يمكنه – حالياً أو في المستقبل المنظور – أن يحل محل المترجم البشري تماماً في هذا المجال بالذات. تتجلى إمكانيات الذكاء الاصطناعي في عدة جوانب، أهمها السرعة والإنتاجية، حيث يستطيع ترجمة نصوص طويلة في دقائق، مما يجعله مثالياً لإنتاج مسودات أولية أو استكشاف الأفكار الأساسية للنص.

كما يبرز في معالجة اللغات المعقدة، حيث يتعامل مع تراكيب قواعدية صعبة وفروق دقيقة أساسية، مدعوماً بقواعد بيانات واسعة تساعده في ترجمة المصطلحات الشائعة. بالإضافة إلى ذلك، يضمن الذكاء الاصطناعي الاتساق في الترجمة، محافظاً على نمط موحد في المصطلحات والأسلوب عبر النص كله.

 وحول تجربة استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة؟ أوضح الصحفي الفلسطيني حسام معروف “هذه النقطة شائكة ومعقدة، إذ تكشف عن كمٍّ هائل من الملفات المستقبلية المفتوحة على احتمالات عديدة، وتتصل بالتحولات الفكرية والإنسانية المتسارعة نحو العولمة، وإلى الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا في مختلف مناحي الحياة.

لطالما كنا نقول إن التكنولوجيا لن تستطيع هزيمة الآداب والفنون، لكن ما نشهده اليوم من قفزات نوعية في الذكاء الاصطناعي، وبشكل خاص ما تقدمه تطبيقات مثل “تشات جي بي تي”، يفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات جوهرية”.

ويتابع: الذكاء الاصطناعي بات قادرًا على إنتاج نصوص تحتوي على تركيبات لغوية وأفكار قائمة على تراكم المعرفة الإنسانية، ويمتلك أدوات تساعده على صياغة نصوص إبداعية قد تثير الدهشة.

وهذا يضعنا أمام سؤال محوري: هل يمكن للآلة أن تتجاوز التجربة البشرية والخيال الإنساني؟ هذا الموضوع معقد ومركب، وسنحتاج إلى وقت كافٍ لفهم أبعاده، خصوصًا أن الطبيعة البشرية بتنوعها وتماهيها مع الوقائع والتفاصيل والمشاعر، تظل قادرة على تقديم إبداع فريد ومختلف. لكل عصر لغته وأدواته وأفكاره، ونحن نعيش اليوم عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وهنا تظهر مفارقات جديدة.

 سرقة أدبية

العام الماضي، فازت رواية ” برج التعاطف طوكيو” للروائية اليابانية ري كودان بجائزة أدبية تخص الكُتاب الشباب.  وفي خطاب استلام الجائزة، قالت ري كودان، أنها كتبت روايتها باستخدام برنامج الذكاء الاصطناعي CHAT GPT، وهو ما جعل قراء يابانيين. يصفون حصولها على الجائزة ب “سرقة أدبية”.

الأمر نفسه حدث مع رواية “أرض الذكريات”، للكاتب الصيني شين يانغ، الذي حصل على المركز الثاني في مسابقة لروايات الخيال العلمي الشعبية للشباب. وجاء في حيثيات الجائزة أن إدراك تأثير شات جي بي تي على الرواية لم يكن سهلا، خاصة أن كُتاب الخيال العلمي يهتمون في الغالب بالإبداع، ووصف المشهد مقابل اللغة. الرواية جيدة التنفيذ، وذات اتساق منطقي.

وفي أغسطس 2023، قالت الروائية الامريكية جين فريدمان أن منصة “أمازون” نشرت ستة كتب باسمها، في الوقت الذي لم تنشر فيه أي عمل منذ عام 2018.

بداية التجربة

ويعود تاريخ نشر أول رواية رقمية في العالم العربي على شبكة الإنترنت إلى عام 2001، وهي رواية “ظلال الواحد” للكاتب الأردني محمد سناجلة، الأمر الذي شكل نقلة نوعية في عالم الكتابة الأدبية عبر الوسيط الإلكتروني. ورواية “حصن التراب” للمصري أحمد عبد اللطيف.

أما رواية “خيانة في المغرب” كانت نتاج حوار بين الكاتب المصري أحمد لطفي ومنصة “تشات جي بي تي”.

الرواية الموجّهة للقراء لليافعين، جاءت في 100 صفحة، وتتحدث عن شخصية فارس، الذي يسعى في أجواء من الغموض للهرب من عصابة تطارده، لكنه يكتشف خلال رحلته، مفاجأة تغير مسار حياته، ويسقط في فخ تجريبي ممتلئ بالإثارة.

ويقول أحمد لطفي بأن “الذكاء الاصطناعي لن يستطيع تحقيق قفزات معاصرة في الرواية العربية في الأفق القريب، لأن المدخلات العربية ضمن هذه التقنية فقيرة، وجميعها لا يتعدى اللغة والمعلومات الصحافية، لكن في المستقبل قد يتحقق ذلك”.

ويقول الكاتب المصري محمد أحمد فؤاد أن روايته “حيوات الكائن الأخير”، نُفدت في 23 ساعة فقط، استغرق التأليف 12 ساعة (موزعة على 5 أيام)، واستغرق التحرير والمراجعة 11 ساعة (موزعة على 4 أيام)، بدأ العمل يوم الأربعاء 29 مارس 2023، وانتهى يوم السبت 8 أبريل، واتفق مع الناشر على طباعة وتوزيع الرواية يوم 17 أبريل.

ويعتبر محمد أحمد فؤاد أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي قد يفتح الباب أمام استسهال عملية الإبداع، ما يهدد بتقليل القيمة الإبداعية للأعمال الأدبية، وتقويض الجهد الذي كان يبذله الكاتب التقليدي لتقديم نتاجه الأدبي.

وتدور أحداث رواية “ماذا لو أخطأ شامبليون؟” للكاتب محمد عبد الله حمودة حول ابن وحشي النبطي وهو أبو بكر أحمد بن علي عالم لغوي وكيميائي عراقي ألّف كتابا تُرجم إلى 89 لغة بينها اللغة الهيروغليفية.

 في تجارب عربية أخرى، أستخدم الكاتب التونسي وليد حمدي، بعيدة عن أدوات الذكاء الاصطناعي. في تحويل روايته “أيهم رحلة لاجىء” إلى نص مسموع. واستعانت الكاتبة البحرينية، ندى الفردان، في كتابها الموجه للطفل “الغرفة المسحورة” بتطبيقات الذكاء الاصطناعي لإعداد الرسوم التوضيحية المرافقة للكتاب.

أما الكاتب السعودي صالح بن عايض اليامي، أستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي لإعادة كتابة سيرة “المرقش” أحد أبرز شعراء الجاهلية وأحد أبطال حرب البسوس لتكوين صورة أقرب للحقيقة.

 ويرى الكاتب البريطاني سلمان رشدي، أن أدوات الذكاء الاصطناعي قد تشكل تهديداً لكُتاب روايات الإثارة والخيال العلمي، لكنها تفتقر إلى الأصالة والفكاهة اللازمتين لتهديد عمل الروائيين المتمرسين، وأضاف: ”

اختبرت برمجية “تشات جي بي تي” طالباً منه كتابة 200 كلمة بأسلوبه. وكانت النتيجة كتلة من الهراء.

لا يمكن لأي شخص قرأ صفحة واحدة من كتاباتي أن يظن أنني الكاتب”.

التعبير الجمالي يعتمد على البشر

الصحفي الفلسطيني حسام معروف

ويتسأل، حسام معروف، هل يستطيع القارئ التمييز بين النص الذي كتبه الإنسان، وذلك الذي صاغه الذكاء الاصطناعي؟ من وجهة نظري، نحن لا نقف أمام خطر، بل أمام فرصة. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يعزز من جودة الكتابة البشرية، من خلال تقديم المعلومات، وتصحيح اللغة، وتحرير المحتوى، وهذه أدوات يمكن للكاتب الاستفادة منها دون أن يمسّ جوهر إبداعه. ومع ذلك، سيظل هناك فارق جوهري بين الخيال البشري والخيال الاصطناعي، فالأول حيّ، متجدد، نابض، والثاني مهما بلغ من دقة، يظل مستندًا إلى ما هو مُبرمج

وفي النهاية، يبقى على الكاتب أن يختار: هل سيستسلم للأداة؟ أم يوظفها لخدمة إبداعه؟ هل سيتوارى خلف التقنية؟ أم يستثمرها ليقدم ما هو أكثر أصالة وإنسانية؟

ويشير عبد السلام الغرياني إلى أن التحدي الذي يواجه الترجمة الرقمية يكمن في طبيعة النصوص الأدبية نفسها؛ فهي ليست مجرد كلمات تحتاج لنقل حرفي، بل هي عوالم معقدة تشمل أبعاداً لا تُختزل إلى خوارزميات. أولاً، يتطلب العمل الفهم الثقافي العميق، فالنصوص الأدبية غالباً ما تحمل أمثالاً وإشارات تاريخية أو تلميحات محلية مرتبطة بسياقها الأصلي، مثل ترجمة الشعر، خاصة التراثي، أو الرواية، وهذا يحتاج إلى إدراك لا تمتلكه الآلة. ثانياً، هناك عنصر التعبير الجمالي الذي يعتمد على الإبداع البشري، كالسجع والجناس والاستعارة، أو التعامل مع نصوص مثل “لزوم ما لا يلزم” أو التلاعب اللفظي في “ألف ليلة وليلة”، وهي أمور تتطلب خيالاً ومرونة. ثالثاً، تعتمد الترجمة الأدبية على إتقان الطبقات الدلالية للكلمات، حيث تحمل المفردة الواحدة معانٍ متعددة تختلف حسب السياق العاطفي والنبرة، كما في السخرية الخفية في أعمال تشيخوف. رابعاً، لكل كاتب أسلوب فريد يميزه، وأسلوب إبراهيم الكوني يختلف جذرياً عن أسلوب غابرييل غارسيا ماركيز، والترجمة الناجحة هي التي تنقل بصمة الكاتب لا مجرد معانيه. أخيراً، تواجه الترجمة تحديات خاصة مثل ترجمة اللهجات المحلية أو النصوص الشعرية التي تجمع بين الوزن الموسيقي وعمق الدلالة.

ويضيف: الأمثلة العملية تظهر هذه الفجوة بوضوح؛ فلو طُلب من الذكاء الاصطناعي ترجمة بيت شعر مثل (إذا الشعبُ يوماً أراد الحياةَ، فلابدَّ أن يستجيبَ القدر) لأبي القاسم الشابي، قد ينقل المعنى الحرفي لكنه سيعجز حتماً عن إعادة إنتاج الإيقاع الموسيقي والقوة الثورية الكامنة في الأصل. كذلك، في رواية مائة عام من العزلة، تبرز إشكالية نقل الواقعية السحرية بأسلوب ماركيز دون أن يفقد النص سحريته وطبقاته الرمزية.

ويختم “الذكاء الاصطناعي أداة ثورية تسهّل عمل المترجم الأدبي لكنها لا تُلغيه. فترجمة الأدب فنٌ معقد يحتاج إلى روح إنسانية تتفهم الثقافة والسياق والجماليات، وهذا ما تفتقده الآلة. مستقبل الترجمة الأدبية سيشهد ازدهاراً في نموذج فرق العمل المشتركة (بشري + ذكاء اصطناعي)، حيث يكمل كل طرف نقاط ضعف الآخر، لتحقيق توازن بين دقة التقنية وعمق الإبداع البشري”.

شاهد أيضاً

ليبيا وهولندا تبحثان تعزيز العلاقات واستئناف عمل السفارة الهولندية  

ليبيا وهولندا تبحثان تعزيز العلاقات واستئناف عمل السفارة الهولندية  

بحث المكلف بتسيير وزارة الخارجية والتعاون الدولي مع سفير مملكة هولندا الجديد لدى ليبيا، أريان …