في عمق الذاكرة الكروية، ثمة أسماء لا يطويها النسيان .. وهكذا رسم الحكم الدولي الليبي الراحل “يوسف الغول” ملامح المجد الليبي في عهد بلاتيني ومطاردات المونديال الساحر.
مدريد.. قصة من دفتر التراث الرياضي العالمي
إذا فتشتم في دفاتر ذكرياتكم القديمة عن رائحة عشب الملاعب الإسبانية صيف عام 1982، فلن تجدوا فقط ذكريات أهداف باولو روسي أو عبقرية مارادونا الفتية؛ بل ستعثرون في زاوية مضيئة على رجل جاء من قلب طرابلس ليمسك بزمام العدالة الكروية وسط صخب المونديال، انه الحكم الدولي يوسف الغول.. الاسم الذي يثير شجون عشاق الزمن الجميل، والذي لم يكن مجرد عابر سبيل في الملاعب، بل كان “المايسترو” الليبي الوحيد الذي ضبط إيقاع المونديال بصافرته الحازمة.
من قلب الهجوم إلى سدة العدالة
ولد الغول في طرابلس عام 1936، وفي أزقتها تنفس كرة القدم مبكراً، بدأت الحكاية عام 1953 كلاعب يفيض بالحيوية في فريق معهد المعلمين، ولم يمضِ عام حتى كان يقود منتخب مدارس طرابلس. ولقرابة ثمانية مواسم، ارتدى قميص نادي الظهرة في مركز “قلب الهجوم”، يمزق شباك الخصوم ويهز الملاعب، لكن الإبداع الحقيقي كان ينتظره خلف خطوط التماس؛ ففي عام 1964، قرر الغول أن يترك ملاحقة الكرة ليصبح هو سيد الملعب، حاملا صافرته التي سرعان ما كسبت احترام الجميع في الدوري الليبي بكفاءة نادرة وثقة لا تتزعزع، ليتوج بلقب أفضل حكم عام 1970 وفقاً لاستفتاء صحيفة “البلاغ”.
التحليق الإفريقي والتتويج بـ “صك الفرنسيين”
النجومية المحلية كانت مجرد نقطة انطلاق نحو الأفق الدولي الذي بلغه عام 1970، بدأت الرحلة الدولية بلقاء المريخ السوداني وسان جورج الإثيوبي، لكن ذروة التوهج القاري كانت في الثامن عشر من مارس 1978 في غانا، هناك وسط غابة من الضغوط والترقب، أدار الغول المباراة النهائية لكأس الأمم الإفريقية بين غانا وأوغندا ، لينال من مجلة “فرانس فوتبول” الفرنسية العريقة منحه كأس أفضل حكم في القارة السمراء.
أيام المونديال الإسباني وبلاتيني الساحر
في عام 1982، كانت إسبانيا تحتضن العرس العالمي، وكان العرب على موعد مع فخر جديد، دخل يوسف الغول التاريخ كخامس حكم عربي مونديالي، وضمن ثلاثي ذهبي عربي أضاء المونديال الإسباني بجانب الجزائري بلعيد لاكارن والبحريني إبراهيم الدوي.
في أرض الأندلس وإسبانيا الخضراء، وقف الغول واثقاً ليدير مواجهة (روسيا ضد نيوزيلندا) التي انتهت بثلاثية روسية بيضاء، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل ركض على الخطوط كمساعد في مباراتين أخريين، كان أبرزهما اللقاء التاريخي لمنتخب فرنسا بقيادة الأسطورة “ميشيل بلاتيني” ضد أيرلندا الشمالية، والتي انتهت برباعية فرنسية استعراضية تحت نظرات عين ليبية خبيرة لا تخطئ التسلل أو الهفوات.
الوداع الأخير وإرث لا يموت
عندما أعلن اعتزاله في نهاية ذلك العام التاريخي (1982)، لم يغادر الغول اللعبة بل تحول إلى منارة تضيء الطريق للأجيال القادمة؛ كمحاضر دولي في الاتحادين الدولي (FIFA) والإفريقي (CAF)، ورئيس للجنة العامة للتحكيم في ليبيا، واضعاً خبرة السنين بين أيدي الشباب.
في 27 ديسمبر 1997، رحل يوسف الغول عن عالمنا بجسده، لكن صدى صافرته ما زال يتردد في ملاعب المونديال، مذكرا الجميع بأنه ليس مجرد رقم في سجلات الاتحاد الدولي، بل هو رمز لزمن كانت فيه كرة القدم تُدار بالهيبة، والذكاء، والشغف الخالص.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية