لم تكن “المنوعات” في ليبيا مجرد برامج ترفيهية لملء الفراغ بعد الإفطار؛ بل كانت معركة تنوير ثقافية كان يوسف الغرياني أهم من امتلك مفاتيح الحوار مع الشخصية الليبية.
في أزقة المدينة القديمة، وتحديداً بين “باب البحر” و”سوق المشير”، تشكل وعي يوسف الغرياني منذ ابصاره الدنيا تشرب فيها ملامح البيئة كـ “إسفنحة” سوسيولوجية امتصت أدق تفاصيل الشارع، هذا “الخزين اللغويالثقافي ” هو ما حوله من عازف ايقاع في فرقة “الجيل الصاعد” إلى المهندس الأول للضحكة الرمضانية التي جمعت الليبيين حول الشاشة لعقود.

في أوائل السبعينيات، ولدت علاقة فنية بين الغرياني ورفيق دربه الراحل إسماعيل العجيلي (سمعة) والكاتب احمد الحريري . لم يكن نجاحهم رهيناً بنصوص جامدة، بل بعملية صياغة نقد تنويري عبر نصوص مدروسة،من هموم الحياة اليومية إلى الشاشة، محولين الكوميديا الرمضانية إلى “مرآة” كاشفة تضع المجتمع أمام عيوبه وجهاً لوجه.
في ذروة الثمانينيات، أسس الغرياني لمدرسة النقد السياسي والاجتماعي المبطن. تحت غطاء شخصية “قزقيزة” الشاب الطرابلسي المشاكس الذي تجرأ على اقتحام محرمات البيروقراطية الرسمية والسلبية لدى الناس مثلا منتقداً “أزمة الطوابير” ونقص السلع بأسلوب ساخر . لم تكن حلقاته مجرد “إفيهات”، بل صرخات احتجاج مغلفة بالفكاهة، لا سيما في “المونولوجات” التي هاجمت غلاء المهور وتكاليف الزواج المرهقة للشباب.
إن رحلة الغرياني تثبت أن وجه الموسم رمضان الحقيقي لا يغيب في التسلية السطحية ، فالفنان لا ينفصل عن واقعه طالما أن “خزينه” الفني لا يزال يضحكنا.. ويدفعنا الى التفكير.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية