منصة الصباح
يوسف الشريف… صانع عوالم الطفولة الليبية

يوسف الشريف… صانع عوالم الطفولة الليبية

بين طيات الذاكرة الليبية، يظل يوسف الشريف بصيص الضوء الذي أضاء عوالم الطفولة والخيال. لم يكن مجرد كاتب، بل كان صانع الجسور بين الواقع والخيال، يلتقط لحظات الحياة اليومية للطفل الليبي ويحوّلها إلى نصوص تتنفس حكاية ومعنى.

في كل صفحة كتبها، كان هناك صوت يهمس للأطفال بأن القراءة ليست واجبًا، بل رحلة استكشاف متجددة، وأن الأدب قادر على تشكيل عالمهم الصغير بطرق لا يراها إلا من عاش تجربة الكتابة بصدق وشغف.

محطات حياة غنية

ولد يوسف الشريف عام 1938 في مدينة ودان جنوب ليبيا، قبل أن تنتقل أسرته إلى العاصمة طرابلس عندما كان طفلاً في الثانية تقريبًا، وهناك ترعرع بين أزقة المدينة ومدارسها، متحديًا الصعاب وملامسًا شغف الكتابة منذ صغره. منذ سنواته الدراسية الأولى، بدا حبه للكلمة والقصص واضحًا، حتى قرر متابعة تعليمه العالي في جامعة بنغازي، حيث تخرج عام 1963 من كلية الآداب حاملاً شهادة في علم الاجتماع، مؤسسًا بذلك قاعدة معرفية صلبة لفهم المجتمع والطفولة.

قبل التخرج بعدة سنوات، تحديدًا في عام 1959، نشر الشريف قصته الأولى بعنوان “الجدار”، لتفتح له أبواب عالم القصة القصيرة في ليبيا وتضعه بين رواد هذا الفن الأدبي. واصل مسيرته الأدبية بإبداع مستمر حتى حصل على جائزة الدولة للقصة القصيرة عام 1968، اعترافًا مبكرًا بموهبته الفذة. لم يكتفِ بالكتابة فحسب، بل أسهم في إثراء الحركة الإعلامية الليبية من خلال رئاسته لمجلة “الفصول الأربعة” ومجلة “أفق”، وعمله كمحرر ومترجم في الإذاعة الليبية، معززًا بذلك حضور الكلمة في حياة المجتمع الليبي.

في عام 2013، تقلد الشريف منصب وزير الإعلام الليبي، مساهمًا في تطوير سياسات الإعلام والصحافة، ليثبت أن الإبداع يمكن أن يمتد إلى الإدارة والتوجيه، وأن الكاتب قادر على التأثير في الواقع كما يفعل في النصوص الأدبية. وفي خطوة تعكس التزامه بالمعرفة والإرث الثقافي، قدم في عام 2018 مكتبته الخاصة كهدية لجامعة بنغازي، لتبقى خبراته وإبداعاته مرجعًا للأجيال القادمة.

طوال مسيرته، ظل يوسف الشريف حريصًا على تطوير أدب الطفل في ليبيا، مؤلفًا وترجمًا العديد من القصص التي غرس فيها حب القراءة في نفوس الأطفال، مقدّمًا لهم عوالم مليئة بالخيال والمعنى، ومراعيًا في ذلك الخصوصية التربوية والاجتماعية للطفل الليبي.

إرث لا يموت

ترك الشريف إرثًا أدبيًا غنيًا، من مجموعات قصصية مثل “الأقدام العارية” و”ضمير الغائب”، إلى دراسات في الطفولة وموسوعات للغة والعلوم، وصولًا إلى كتب مثل “حكاية مدينة” و”المعجم الميسر للفتيان والفتيات”. أثره امتد إلى الأجيال اللاحقة من الكتاب والأدباء، ليظل اسمه رمزًا من رموز الثقافة الليبية، وحارسًا لبوابة الطفولة والخيال، متأكدًا أن الأدب هو الطريق الأمثل لصناعة غد أفضل.

شاهد أيضاً

“نيباه” القاتل.. يهدد الصحة العالمية

الصباح/ تقوى البوسيفي أعادت حالتا إصابة جديدتان بفيروس نيباه في شرق الهند تسليط الضوء على …