منصة الصباح

هل يعيد الميثاق الأوروبي الجديد صياغة قواعد اللجوء وحدود المتوسط ؟

بعد سنوات من التجاذبات السياسية الخانقة والخلافات التي عصفت بوحدة العواصم الأوروبية، طوى الاتحاد الأوروبي حقبة اتفاقية دبلن التقليدية ليفتح صفحة جديدة في كتاب التعامل مع ملف الهجرة، فمنذ إقراره بشكل نهائي عام 2024، يمثل “الميثاق الجديد للهجرة واللجوء” حزمة تشريعية شاملة (تضم نحو 10 قوانين متداخلة) تهدف إلى إعادة هيكلة إدارة الحدود الخارجية للقارة العجوز، وتوزيع أعباء طالبي اللجوء عبر نظام يوازن بين “التضامن الإلزامي” والرقابة الصارمة.

ومع دخول العالم عام 2026، وهو الموعد المحدد للبدء الفعلي والتطبيقي الكامل لهذه المنظومة، تسابق الدول الأعضاء الزمن لتعديل قوانينها الوطنية بما يتوافق مع الرؤية الأوروبية الموحدة، وسط ترقب مشوب بالحذر من دول الجوار المتوسطي، وانتقادات لاذعة من المنظمات الحقوقية.
وياتي هذا الميثاق ليعالج الشروخ التي خلفتها أزمة التدفقات الكبرى عام 2015، حيث تبلورت بنوده الأساسية حول خمسة محاور رئيسية:
فيطرح المحور الأول مسالة الفحص الأمني المشدد عبر فرض إجراءات تدقيق أولي إلزامية وسريعة عند الحدود تشمل الهوية الصحة الفحوصات الأمنية، وأخذ البيانات البيومترية.
ثم يقدم المحاور الثاني المسار السريع للجوء والترحيل من خلال إنشاء آلية حدودية معجلة للبت في طلبات الفئات التي تقل فرص قبولها (مثل القادمين من دول تصنف آمنة) بحيث يرفض الطلب ويرحل صاحبه خلال أسابيع بدلا من الانتظار لسنوات.
بينما يير المحور الثالث الجدل بقضية التضامن الإلزامي التى تنص على تخفيف العبء عن دول المواجهة (إيطاليا، اليونان، إسبانيا)، فيفرض القانون على بقية الدول الأوروبية إما استقبال حصة من طالبي اللجوء، أو دفع مساهمات مالية تعويضية، أو تقديم دعم لوجستي مباشر.
ثم يأتي المحور الرابع لينص على تحديث مخزون البيانات عبر توسيع قاعدة البيانات الأوروبية لتشمل صور المهاجرين وبصماتهم الرقمية، لمنع ما يعرف بـ “سياحة اللجوء” أو تقديم الطلبات في أكثر من دولة.
اما المحور الخامس فيقدم مرونة في مواجهة الأزمات عبر منح الدول الحدودية صلاحيات استثنائية وسريعة للتعامل مع أي تدفقات جماعية مفاجئة قد تستخدم كأداة للضغط السياسي.
ولا يقتصر أثر هذه التشريعات على الداخل الأوروبي بل يمتد مباشرة إلى عمق شواطئ جنوب المتوسط، وتحديدا إلى ليبيا، التي تعد الممر الرئيسي والأكثر حرجاً لرحلات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، بل تمتد عبر ضغوط أمنية مكثفة تؤدي الى زيادة وتيرة التنسيق والضغط الأوروبي على سلطات إنفاذ القانون في شمال أفريقيا لضبط الحدود البحرية والبرية.
ومن نافلة القول أن تسريع عمليات الترحيل من أوروبا قد يلقي بظلاله على زيادة أعداد المهاجرين العالقين في مراكز الاحتجاز أو المدن الليبية، مما يضع عبئا إضافيا على الصعيدين الإنساني والأمني محليا.
وعلى الرغم من أن الميثاق صمم كحل وسط يرضي جميع الأطراف، إلا أنه واجه سيلا من الانتقادات من اتجاهين متعاكسين، ففي الاتجاه الاول تقف المنظمات الحقوقية عند “أوروبا الحصينة” على حساب الإنسانية، حيث ترى كبرى المنظمات الدولية أن الميثاق يمثل أكبر انتكاسة لسياسات اللجوء منذ عقود، وتتلخص مخاوفها في أن التركيز انصب على “الردع والترحيل” بدلا من الحماية، محذرة من أن الإجراءات السريعة قد تؤدي إلى احتجاز عائلات وأطفال لفترات طويلة في منشآت حدودية أشبه بالسجون، دون منحهم الحق الكامل في دراسة ملفاتهم بشكل عادل، و نرى أحزاب اليمين الأوروبي تصفها بالحلول القاصرة ، وفي المقابل، ترى التيارات اليمينية المتصاعدة في أوروبا أن هذه الحزمة التشريعية لا تزال قاصرة عن حماية القارة، مطالبة بـ “إغلاق كامل” للمجال الأوروبي، وترحيل فوري دون تعقيدات قانونية، ورفض مبدأ توزيع المهاجرين حتى لو كان بمقابل مالي.
ويدخل الميثاق الأوروبي الجديد اليوم حيز التطبيق الكامل والتنفيذي مصحوبا بتحديات هائلة فهو من جهة يسعى لصياغة نظام موحد وأكثر حزماً في إدارة تدفقات البشر، ولكنه من جهة أخرى يضع مبادئ حقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية على المحك، بينما تظل دول العبور، وفي مقدمتها ليبيا، في مواجهة مباشرة مع تداعيات هذه السياسة الأوروبية الجديدة التي تحاول نقل عبء الأزمة إلى خارج حدود القارة.

شاهد أيضاً

ارتفاع حصيلة ضحايا العدوان على غزة إلى أكثر من 72 ألف شهيد

ارتفاع حصيلة ضحايا العدوان على غزة إلى أكثر من 72 ألف شهيد

أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة، اليوم الاثنين، ارتفاع حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي إلى 72 …