في عالم الفن، تُعرف فيروز بأنها “سفيرة لبنان إلى النجوم”، لكن في كواليس حياتها، كانت تخوض معركة أكثر صمتا وعمقاً، اليوم الخميس، أُسدل الستار على واحدة من أكثر القصص الإنسانية صبراً في التاريخ الفني العربي برحيل هلي الرحباني، الابن الأصغر لـ “جارة القمر”، بعد صراع طويل مع المرض استمر لعقود بعيداً عن صخب الأضواء.
عندما ولد هلي عام 1958 بإعاقات ذهنية وحركية، لم يمنحه الطب حينها الكثير من الأمل في البقاء، لكن فيروز قلبت التوقعات؛ وبدلا من أن يكون ابنها “عبئاً”، جعلت منه محوراً ملهما لعالمها، محيطة إياه بخصوصية صارمة وسكينة نادرة، هذا الرحيل لا يمثل مجرد فقدان لابن، بل يمثل نهاية فصل من الالتزام الإنساني المطلق الذي استمر لأكثر من ستين عاماً.
يأتي رحيل هلي ليزيد من ثقل الأحزان على كاهل الأيقونة اللبنانية؛ فالوفاة تأتي بعد أشهر قليلة فقط من رحيل شقيقه العبقري زياد الرحباني في يوليو 2025، إنها مفارقة قاسية لعائلة صاغت وجدان العرب، أن تجد نفسها اليوم في مواجهة فراغ مضاعف؛ رحيل “العقل” الذي أعاد صياغة الموسيقى (زياد)، ورحيل “الروح” الصامتة التي كانت تختبر صبر فيروز وإيمانها (هلي).
من المقرر أن يوارى جثمان هلي الثرى يوم السبت المقبل في كنيسة رقاد السيدة بـ “بكفيا”، وهي ذات الكنيسة التي احتضنت وداع شقيقه زياد، ومع هذا الرحيل، تنتهي قصة “الابن الغائب الحاضر”، لتبقى فيروز وحيدة مع إرث فني عظيم وذاكرة مثقلة بابتلاءات لم تزدها إلا شموخاً، في وقت نعى فيه لبنان الرسمي الراحل كجزء من عائلة قدمت للعالم إرثاً إنسانياً لا يُقدر بثمن.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية