منصة الصباح
نجيب الحصادي… عقل لا يعرف السكون

نجيب الحصادي… عقل لا يعرف السكون

حينما كان العالم يسعى أحيانًا لتقليص الفكر إلى شعارات جاهزة وإجابات سريعة، ظهر نجيب الحصادي كعقل يرفض التبسيط، وروح لا تعرف السكون. لم يكن مجرد أستاذ فلسفة أو مترجم لأعمال مرجعية، بل كان تجربة مستمرة في التساؤل، رحلة مستمرة بين الشك واليقين، بين العقل والإنسانية، بين السؤال والبحث عن إجابات لا تكف عن الهروب من الثبات.

ولد الحصادي في درنة حيث ترعرع محاطًا بعوالم الثقافة المحلية، قبل أن يمتد فضاؤه إلى بنغازي ثم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث صاغ أطروحته النقدية حول العقلانية العلمية ونقد تصور توماس كون. عاد ليزرع في الجامعات الليبية والإماراتية بذور التفكير الحر، ينشر فلسفة العقل النقدي، ويغرس أدوات المنطق والتحليل في أذهان طلابه، معلمًا أن الفلسفة ليست حبرًا على ورق، بل حياة تُفهم وتُمارس.

كتب أكثر من عشرين مؤلفًا، بين المنطق وفلسفة العلوم، وهاجر من خلالها إلى أروقة العقل الغربي والعربي، مترجمًا أكثر من خمسين عملاً فلسفيًا، محوّلًا الأفكار المعقدة إلى لغة عربية تتنفس، لا لغة جامدة تغرق القارئ في التعقيد. كان شغفه بالترجمة جزءًا من رسالته: جعل الفكر الحر متاحًا لكل من يبحث عن الحقيقة بلا خوف أو تحيّز.

 

ولكن ما يميز الحصادي ليس فقط ما كتبه، بل كيف عاشه الآخرون: صامتًا متأملًا، مستمعًا، عطوفًا، كريمًا، يهتم بالأدب الشعبي والأمثال، ويحب أن يرى العقول تنمو بالعلم والفضول. مع طلابه كان قريبًا، يشرح لهم المصطلح الفلسفي بصبر، ليترك أثرًا لا يزول في أذهانهم قبل الكتب. مع أصدقائه كان رفيقًا حكيمًا، حاضرًا في كل نقاش برؤية مستقيمة، يسعى ليس لهزيمة الآخر، بل للوقوف معه على أرض معرفية مشتركة.

رحيله في يوليو 2025 لم يكن نهاية لوجوده؛ بل بداية لإرث خالد من الفكر، من المبادئ، ومن الأثر الإنساني العميق. فالحصادي لم يترك أسئلة معلقة فحسب، بل ترك شغف البحث عن اليقين الذي لن نصل إليه أبدًا، ليصبح درسًا لنا جميعًا في التواضع أمام المعرفة، وفي السعي بلا كلل خلف الحقيقة، مهما ابتعدت عن أيدينا.

 

شاهد أيضاً

الصين توقف صادرات البنزين والديزل من كبرى المصافي

الصين توقف صادرات البنزين والديزل من كبرى المصافي

الصباح/ وكالات أعلنت الصين اليوم عن توجيه كبرى مصافيها بتعليق صادرات البنزين والديزل، في خطوة …