أثار اقتراب ناقلة الغاز المسال الروسية المتضررة من السواحل الليبية، كما ورد في بيان وزارة الدفاع – حكومة الوحدة الوطنية، حالة من القلق المشروع لدى الرأي العام، خصوصًا مع الحديث عن حمولتها من الغاز الطبيعي المسال والوقود السائل، وما قد يرتبط بذلك من مخاطر انفجار أو كارثة بيئية.
إلا أن القراءة الفنية الدقيقة لطبيعة هذه الناقلات وسلوك الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب الإطار القانوني المنظم لمثل هذه الحوادث، تشير إلى صورة أكثر توازنًا وتعقيدًا.
ما الذي يحدث فعليًا وفق البيان الرسمي
يوضح البيان أن الجهات المختصة تمكنت من الوصول إلى الناقلة وتأمينها وربطها بشكل آمن تمهيدًا لسحبها، مع العمل على منع انجرافها نحو الشريط الساحلي، وذلك ضمن خطة فنية دقيقة وتنسيق مؤسسي كامل. هذا الوصف يتماشى مع ما يُعرف عالميًا بعمليات الإنقاذ البحري، حيث يكون الهدف الأساسي في المرحلة الأولى هو إبعاد الخطر وليس إنهاءه بشكل فوري، بما يحمي الأرواح والبيئة والمنشآت الساحلية.
عملية القطر البحري وشروطها الفنية
عملية قطر ناقلة غاز متضررة ليست إجراءً بسيطًا، بل تخضع لشروط دقيقة يجب توفرها قبل الشروع فيها. من أهم هذه الشروط التأكد من سلامة هيكل السفينة وعدم وجود أضرار جسيمة في خزانات الشحن، وضمان استقرارها ومنع خطر الانقلاب أثناء السحب، إضافة إلى التأكد من عدم وجود حريق نشط أو تسرب غير مسيطر عليه في مناطق حساسة.
كما تتطلب العملية توفر نقاط ربط آمنة، واستخدام قاطرات ذات قدرة كافية، ومراعاة حالة البحر والرياح والتيارات، إلى جانب وجود خطة طوارئ مرافقة في حال حدوث أي تطور مفاجئ أثناء القطر. لذلك فإن ما ورد في البيان حول “خطة فنية دقيقة” أظنه يعكس إدراكًا لهذه التعقيدات، حيث إن أي خطأ في عملية القطر قد يزيد من المخاطر بدل تقليلها.
هل خطر الانفجار كبير فعلًا
رغم الصورة الذهنية الشائعة، فإن احتمال انفجار ناقلة الغاز الطبيعي المسال يُعد منخفضًا للغاية من الناحية الفنية. فالغاز يُخزن عند درجات حرارة شديدة الانخفاض داخل خزانات مغلقة ومعزولة تمامًا ولا يحتوي على الأكسجين داخلها، وهو ما يجعل الاشتعال داخل الخزانات شبه مستحيل، وبالتالي فإن سيناريو الانفجار الداخلي غير مرجح.
أين يكمن الخطر الحقيقي
الخطر لا يكمن في الخزانات نفسها، بل في احتمال حدوث تسرب للغاز وامتزاجه بالهواء ضمن نطاق تركيز محدد ثم تعرضه لمصدر إشعال. في هذه الحالة قد يحدث اشتعال سريع أو في حالات نادرة انفجار سحابة غازية. ومع ذلك، فإن البيئة البحرية المفتوحة تقلل من هذا الخطر بشكل كبير، حيث يتشتت الغاز بسرعة ولا تتوفر ظروف الاحتواء التي تسمح بتضخم الانفجارات كما يحدث في البيئات المغلقة أو شبه المغلقة.
لماذا يتم سحب الناقلة بعيدًا عن الساحل
الإجراء الذي أشار إليه البيان والمتعلق بمنع انجراف الناقلة نحو الشريط الساحلي يعكس نهجًا احترازيًا واضحًا. الهدف ليس لأن الانفجار متوقع، بل لأن وجود أي تسرب محتمل بالقرب من مناطق مأهولة قد يزيد من مستوى الخطورة حتى وإن كان محدودًا. لذلك فإن الإبقاء على مسافة آمنة يمثل وسيلة فعالة لتقليل المخاطر وليس استجابة لحالة انفجار وشيكة.
هل يمكن تفريغ الحمولة بسهولة
من الناحية العملية لا يمكن تفريغ الغاز الطبيعي المسال بشكل عشوائي، إذ يتطلب ذلك تجهيزات متخصصة أو نقل الحمولة إلى سفينة أخرى ضمن إجراءات دقيقة. كما أن إطلاق الغاز مباشرة في البحر يُعد خيارًا شديد الخطورة وغير معتمد، لأنه يؤدي إلى تبخر سريع وتكوّن سحابة غازية قابلة للاشتعال، وهو ما يزيد من المخاطر بدل تقليلها.
المسؤولية القانونية: من يتحمل تبعات الحادث
إلى جانب البعد الفني، تبرز مسألة المسؤولية القانونية كعنصر أساسي في مثل هذه الحوادث البحرية. القاعدة العامة تشير إلى أن المسؤولية الأولية تقع على عاتق مالك الناقلة أو مشغلها، باعتباره المسؤول عن سلامة السفينة وحمولتها، بينما تضطلع دولة العلم بدور رقابي لضمان الالتزام بمعايير السلامة الدولية.
أما الدولة الساحلية، في هذه الحالة ليبيا، فلا تتحمل مسؤولية وقوع الحادث، لكنها تتحمل مسؤولية إدارة آثاره داخل مياهها الإقليمية، بما يشمل حماية البيئة البحرية وسلامة السكان. وإذا ثبت وجود عمل تخريبي، فإن المسؤولية قد تمتد إلى الجهة المتسببة، وهو أمر يخضع لتحقيقات معقدة.
هل يترتب على القطر مسؤولية مستمرة على ليبيا
بمجرد أن تبادر الدولة الساحلية إلى التدخل وقطر السفينة، فإن ذلك لا يمنحها حرية التخلص من الخطر بإبعاده فقط نحو مناطق أخرى. وفق المبادئ العامة في القانون البحري الدولي، فإن الدولة التي تتدخل لإدارة حادث من هذا النوع تلتزم بالتصرف بما يمنع نقل الخطر إلى الغير، سواء إلى دول أخرى أو إلى أعالي البحار بطريقة قد تهدد الملاحة أو البيئة.
بمعنى آخر، لا يمكن قانونًا سحب الناقلة ثم تركها تنجرف في اتجاه دول أخرى أو في عرض البحر دون متابعة، لأن ذلك قد يُعد إخلالًا بواجب العناية ومنع الضرر. التدخل يخلق التزامًا مستمرًا بإدارة الحالة حتى الوصول إلى وضع آمن، سواء عبر تثبيت السفينة في موقع مناسب، أو تسليمها لجهة مختصة، أو نقلها إلى منشأة قادرة على التعامل مع حمولتها.
هذا لا يعني أن ليبيا تتحمل مسؤولية الأضرار الأصلية، لكنه يعني أنها تتحمل مسؤولية كيفية إدارة الأزمة بعد تدخلها، وهو ما يفسر الحرص على التنسيق المؤسسي والعمل وفق معايير دقيقة كما ورد في البيان.
التقييم الواقعي للوضع
تشير المعطيات إلى أن احتمال الانفجار منخفض جدًا، في حين أن مستوى الحذر الذي تبديه الجهات المختصة مرتفع ومبرر، وأن الإجراءات المتخذة تتماشى مع المعايير الدولية في مثل هذه الحالات. الخطر الحقيقي يظل مرتبطًا فقط بحدوث تسرب غير مسيطر عليه، وهو سيناريو تعمل الجهات المعنية على تجنبه من خلال السيطرة الفنية على وضع الناقلة.
في الخلاصة فأن ما يجري قبالة سواحل زوارة هو حادث بحري حساس لكنه يبدو تحت السيطرة وفق المعلومات المتاحة. ورغم أن طبيعة الحمولة قد توحي بخطر كبير، فإن الواقع الفني يؤكد أن ناقلات الغاز الطبيعي المسال مصممة لتفادي الانفجارات، وأن المخاطر المحتملة تبقى محدودة ومشروطة. وفي الوقت ذاته، فإن الإطار القانوني يوضح أن المسؤولية تتوزع بين مالك السفينة ودولة العلم وربما أطراف أخرى، بينما يظل تدخل الدولة الليبية عاملًا حاسمًا في احتواء الخطر، مع ما يرتبه ذلك من التزام مستمر بإدارة الأزمة بشكل مسؤول حتى انتهائها بالكامل.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية