مفتاح الصغير المصباحي
في بلادنا لا يكادُ يمرُّ يومٌ دون أن نسمع رقماً جديداً عن عدد العاملين في القطاع العام، مرة يقال إنهم مليونان، وأخرى مليونان وربع، وأحياناً يقترب الرقم من مليونين ونصف المليون موظف..
وكذلك حاملي كتاب الله، أي عدد “الحُفَّاظ” للقرآن الكريم، الذي نردده دائماً بأنه تجاوز المليون حافظ، حتى صارت ليبيا تُسمَّى ببلد المليون حافظ..
مع هذه الأرقام، ألا يحقُّ للمواطن البسيط أن يتساءل: إذا كان لدينا أكثر من مليون حافظ للقرآن الكريم، ولدينا ما يزيد على مليوني موظف في القطاع العام، فكيف تبدو نتائج العمل والإنتاج والخدمات في البلاد..؟!!
ففي الدول التي تُعلن امتلاكها ملايين العمَّال والموظفين، يُفترض أن ينعكس ذلك على جودة الخدمات العامة، وسرعة إنجاز المعاملات، وكفاءة المؤسسات، ومستوى الإنتاج..
أما في ليبيا، فإن المواطن يقضي ساعاتٍ وأياماً وربما أسابيع لإنجاز معاملة بسيطة، بينما تتعثر مشاريع التنمية، وتتراجع مؤشرات الأداء، وتزداد الشكوى من الترهل الإداري..
لكن السؤال الذي لا يجدُ إجابة واضحة هو: ما حجم القيمة المُضافة التي ينتجها هذا العدد الهائل من العاملين..؟!!
كم موظفاً نحتاج فعلاً؟ وكم موظفاً نحاسب على الأداء؟ وكم مؤسسة تملك مؤشرات قياس حقيقية للإنتاجية؟ وكم مسؤولاً يستطيع أن يخبرنا بدقة عدد العاملين الفعليين مقارنة بعدد المتقاضين للمرتبات..؟!!
نحن لا تعاني نقصاً في الموارد البشرية، بل ربما نعاني وفرتها. ولا نعاني نقصاً في المؤهلات، حيث تخرّج جامعاتنا آلاف الخريجين سنوياً في التخصثات كافة، إلا أن مؤسساتنا لا زالت تعمل بعقلية الحضور والانصراف، لا بعقلية الإنجاز والنتائج..
ولو افترضنا جدلاً صحة كل الأرقام المتداولة؛ عن الحفَّاظ والموظفين، فإن السؤال الأهم:
أين أثر ذلك على الواقع..؟!!
أين أثر القيم التي يُفترض أن يُعزّزها حفظ القرآن في الأمانة والانضباط وإتقان العمل؟
وأين أثر هذا الجيش الجرَّار من الموظفين على جودة الخدمات العامة؟
وأين أثر المليارات التي تُنفق سنوياً على المرتبات في تحسين حياة المواطن؟
نحن فقط بارعون في إنتاج الأرقام أكثر من إنتاج الحقائق..
لذلك فإن القضية تكمن في السؤال الذي يهرب منه الجميع:
كيف نحول الأعداد إلى نتائج..؟!!
فالبلاد لا تحتاجُ إلى أرقام متورمة، بل تحتاج ثقافةٍ مختلفة، تقيسُ الأداء قبل الحضور، والإنجاز قبل الوظيفة، والإنتاج قبل المرتب..
وإلى أن نجد إجابةً واضحة، سيبقى المواطن الليبي ينظر حوله متسائلاً:
إذا كانت هذه الأرقام صحيحة.. فأين الحقيقة..؟!!
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية