أحلام محمد الكميشي
المعركة التي يخوضها أي شعب للانتقال من صفوف التخلف والتبعية إلى فضاء الدول المتقدمة، هي قبل كل شيء معركة وعي، وبأسلحة غير مرئية، تصيب العقل والعاطفة معًا، وتترك ندوبًا في الروح يصعب محوها. وأفراد الشعب ليسوا سواءً في التعليم والفكر والتربية، ولا يملكون القدر نفسه من الذكاء والثقافة، وهذا يجعل إدارة معركة الوعي متعددة المستويات وتحتاج لأدوات متنوعة في مقدمتها الدراسة والبحث، وتدريب الإنسان منذ مرحلة التعليم على التفكير، إلى جانب تنقية الموروث مما شابه من وهم ووهن. فالشعب الواعي عصيّ على التقييد، لا من الداخل ولا من الخارج، ولا يسهل التلاعب به من قِبَل مسؤول فاسد أو تاجر نفوذ أو مالك سلاح، ولهذا يظل الشعب الواعي هو الخطر الذي يخشاه الحاكم المستبد والطامع الأجنبي على حد سواء.
على أن متصدري إدارة الوعي عليهم إدراك أن طريقه طويل وشاق، وأن الجماهير تميل لسلوك القطيع وتعادي ما تجهله، وهذا طبيعي. وحين يختار الخروج عنهم، فإنه يختار العزلة في الصف المقابل، وقد يُنظر إليه كعدو، ويتعرض لمقاومة فكرية ولفظية، وربما جسدية. هذه التحديات يمكن أن تخفّ إذا انضم إليه آخرون يؤمنون بهدفه النبيل ويساندونه، شريطة أن يظلوا على نفس النهج، وألا تجرفهم المعارك الجانبية أو المصالح الخاصة. وعلى من يسعى لتوعية الناس أن يتوقع أقصى ردود الفعل، لأن دعوته توتر هدوء المستنقع الذي ألفه البعض، حتى صار الخروج منه أمرًا مخيفًا يقاومونه بشراسة، ظنًا أنه سيقودهم إلى ما هو أسوأ. ولعل كتاب “سيكولوجيا الجماهير” يقدم عرضًا دقيقًا لكيفية تفكير الإنسان منفردًا، وكيف يتغير سلوكه حين ينخرط في الجماعة؛ فالجموع أسهل انقيادًا لمن يعرف كيف يخاطب عاطفتها، وهي غالبًا شعبوية، عاطفية، ولا تولي الحقائق العلمية والفكرية كبير اهتمام.
ولعل أكثر التحديات التي تواجه من يريد إدارة معركة الوعي، هو إقناع الناس بعدم تقبل القوالب الجاهزة، والشك قبل الاقتناع، والبحث قبل التصديق، والقراءة قبل الحديث، والتدقيق قبل النشر. والبحث والتحليل يحتاجان بذل مجهود ووقت، وربما في حالات معينة حتى المال، والجماهير ترغب عادة في الاستسهال والراحة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية