في ظل الأزمات المتلاحقة التي يعيشها الليبيون، من أزمة السيولة والوقود إلى تراجع قيمة الدينار وارتفاع تكاليف المعيشة، أصبحت العديد من الأسر تجد صعوبة في تلبية احتياجاتها الأساسية. وفي مرحلة لم يعد فيها مصدر الدخل الواحد كافيًا لتغطية متطلبات الأسرة، برزت ظاهرة جديدة أخذت في الانتشار بوضوح، تُعرف بـ”المشارك مجهول الهوية“.
يعتمد هذا النوع من المشاركين غالبًا على التسول الإلكتروني واستعطاف المجتمعات، خاصة النسائية منها، عبر منصات التواصل الاجتماعي. وتظهر صيغة متكررة في هذه المناشدات؛ إذ تُكتب معظمها بلسان امرأة ليبية تعاني ظروفًا قاسية: أرملة تعول أطفالًا، أم عاجزة عن توفير الدواء، أو أسرة مهددة بالطرد بسبب الإيجار. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل هذه الأصوات حقيقية؟ أم أن الهوية النسائية أصبحت أداة أكثر تأثيرًا لاستدرار التعاطف؟

في هذا السياق، رصد الباحث الليبي محمد سلامة الصول في دراسة بحثية تصاعد ظاهرة التسول الإلكتروني، مشيرًا إلى أن المتسول عبر الإنترنت غالبًا ما يتخفى وراء حسابات وهمية وأسماء مستعارة، ما يرفع عنه الحرج الاجتماعي ويمنحه مساحة أوسع للتمثيل وإيهام الآخرين بقصص مأساوية. ويؤكد أن هذا النمط لا يختلف في جوهره عن التسول التقليدي، لكنه أكثر سهولة وأمانًا للفاعل، الأمر الذي يهدد الثقة المجتمعية ويحرم المحتاجين الحقيقيين من الدعم.
ويرى الصول أن الانتشار المتزايد لهذه الظاهرة يرتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية عدة، أبرزها الفقر والبطالة وتدهور مستوى المعيشة، إلى جانب ضعف التشريعات الرادعة وسهولة انتحال الهويات عبر وسائل التواصل. كما لفت إلى أن التعاطف المبالغ فيه مع القصص الإنسانية قد يشجع بعض الأفراد على اتخاذ التسول الإلكتروني وسيلة سريعة للكسب.

تواصلت منصة الصباح مع بعض هذه الحسابات لمعرفة حقيقتها، فكانت الخطوة الأولى للوصول إليهم غالبًا تبدأ بعبارة: “تعالي خاص”. بعد ذلك، تلقينا سيلًا من الطلبات المتزايدة، مصحوبة بقصص إنسانية مؤثرة تثير رد فعل عاطفيًا يدفعه لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه. وتشمل هذه الطلبات أحيانًا أدوية، وحليبًا للأطفال، وجرعات علاج، وأثاثًا، وطعامًا، وحتى بطاقات الإنترنت وخدمات الاتصالات، بحيث لا تتوقف عن التتابع، تاركة المستجيب أمام دوامة من التعاطف والحيرة.
تقول الطبيبة حنان عبد الرحمن إنها حاولت مساعدة أسرة نشرت عن الجوع واحتياجها للمواد الغذائية قبل شهر رمضان الماضي، لكنها تفاجأت بإصرار صاحبة المناشدة على شراء احتياجات محددة بقيمة لا تقل عن 400 دينار فما فوق نقدًا من محل بعينه.
وتضيف الطبيبة المجتمع الليبي عاطفي وودود بطبعه، وهذا ما قد يعرضنا أحيانًا للاستغلال، لكن الخير في الناس ما يزال حاضرًا، وأعتقد أنه رغم تزايد هذه الظاهرة إلا أننا نستطيع معرفة المحتاج الحقيقي.
أما الصيدلي يونس إبراهيم فيوضح أن بعض الحالات التي تُحال إلى الصيدليات عبر متبرعين تطلب لاحقًا استلام القيمة المالية بدلًا من الدواء، أو يحضر أشخاص لاسترداد أموال أدوية لم يقوموا بشرائها أساسًا بل وصلتهم عبر متبرع إلكتروني، وهو ما يثير الشكوك حول مصداقية بعض هذه المناشدات.
وفي إحدى المجموعات النسائية على موقع فيسبوك، تروي سيدة أنها تبرعت بأثاث لعائلة قالت ابنتها إنهم ينامون على الأرض، لتتفاجأ لاحقًا بعرض الأثاث نفسه للبيع في مجموعة أخرى لبيع الأثاث المستعمل والخردوات، في واقعة تعكس جانبًا من تعقيد المشهد بين الحاجة الحقيقية والاستغلال.
هذه الوقائع تفتح بابًا لتساؤل أوسع: هل تتعرض المرأة الليبية للاستغلال من قبل نساء أخريات؟ أم أن مجهول الهوية، رجلًا كان أم امرأة، يدرك أن الحديث بلسان امرأة يمنح روايته مصداقية أكبر ويضمن استجابة أسرع، خاصة في مجتمع يقوم على التكافل وتلعب فيه النساء دورًا محوريًا في مبادرات الدعم والمساعدة؟
الرأي القانوني: احتيال يعاقب عليه القانون
ولتفسير الأبعاد القانونية لهذه الظاهرة، أوضح المستشار القانوني سامي قصودة لمنصة الصباح أن طلب المال عبر حسابات مجهولة يُعد شكلًا من أشكال الاحتيال والنصب وفق القانون الليبي، مؤكدًا أن التسول الإلكتروني والاحتيال يشتركان في كونهما استيلاءً على أموال الغير بطرق مضللة.
وأشار إلى أن المساعدة الإنسانية تتحول إلى جريمة عندما تُستخدم الأموال في عمليات غير مشروعة، مثل غسل الأموال أو تمويل أنشطة إجرامية. وأضاف أن العقوبات تُحدد وفق حجم الضرر الناتج عن الفعل، لافتًا إلى وجود سوابق قضائية عوقب فيها الجناة، إلى جانب صدور قانون الجرائم الإلكترونية الذي ينظم مثل هذه القضايا، مع الحاجة إلى تطويره ليصبح أكثر ردعًا في ظل التأثير الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي.
وبشأن الأدلة، أكد قصودة أن المحادثات الإلكترونية وصور التحويلات المالية وكل البيانات المرتبطة بها يمكن أن تشكل عناصر إثبات مهمة أمام القضاء. ونصح المواطنين بالتحقق من مصداقية حملات التبرع عبر الاتصال المباشر أو الزيارة الشخصية متى أمكن، مع الإبلاغ عن أي شبهات لدى أقرب مركز شرطة وفتح محضر رسمي. كما شدد على أن التبرع عبر الجهات الرسمية يظل الخيار الأكثر أمانًا لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها.
قراءة اقتصادية: حين يتحول التعاطف إلى مورد مالي
من جانبه، يرى المحلل الاقتصادي محمد مسعود أن تردي الأوضاع الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية ساهما في ظهور أنماط جديدة من الاستعطاف عبر الإنترنت، لم تعد تقتصر على طلب المال، بل امتدت إلى طلب رصيد الهواتف والاشتراكات الرقمية والتحويلات المالية. ويؤكد أن الإنترنت بات سلاحًا ذا حدين؛ إذ تمكن بعض الأفراد من توظيفه للعمل والتجارة الإلكترونية، بينما اتجه آخرون نحو ما وصفه بـ”المال السهل” عبر استدرار تعاطف الآخرين.
ويشير مسعود إلى أن تقلبات سعر الدينار وأزمة السيولة وضعت كثيرين، خصوصًا أصحاب المشاريع الصغيرة، في مأزق اقتصادي، في ظل تغيرات سعر الصرف التي شهدت انخفاض قيمة الدينار خاصة مع تقلبات سعر الصرف في المركزي والسوق الموازية، حيث خفض المركزي قيمة الدينار على النحو التالي:
من 1.40 دينار في 2020
إلى 4.48 دينار في 2021
إلى 5.56 دينار في 2025
إلى 6.39 دينار في 2025
وهذا صعب للغاية على أصحاب المشاريع، ما دفع بعض الأفراد إلى البحث عن مصادر دخل غير تقليدية.
ويحذر مسعود من أن انتشار طلبات الدعم غير الموثوقة قد يهدد ثقافة التبرع داخل المجتمع، خاصة مع غياب قاعدة بيانات دقيقة للأسر المحتاجة. كما نبه إلى أن تكرار حالات الاستغلال قد يؤدي إلى تراجع الثقة في العمل الخيري، مؤكدًا أن تنظيم التبرعات عبر التحقق الميداني، والبيانات الموثقة، والحسابات المصرفية الواضحة، إضافة إلى دعم القنوات الرسمية والجمعيات ذات الخطط الفعلية، من شأنه الحد من هذه الظاهرة وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها.
بين التعاطف والحذر
أن أخطر ما في هذه الظاهرة لا يتمثل في الخسارة المادية فحسب، بل في تآكل الثقة بالمحتاج الحقيقي وتراجع روح التكافل نتيجة الخوف من الوقوع ضحية للخداع. لذلك تؤكد جهات معنية بالعمل الخيري أن التحقق الميداني والتعامل عبر قنوات موثوقة يظل الخيار الأكثر أمانًا لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها.
في ظل هذا المشهد، لا يبدو السؤال الأهم من يقف خلف الحسابات بقدر ما هو: كيف يمكن حماية التعاطف الإنساني من الاستغلال؟ فبين عاطفة تدفع إلى العطاء، وواقع يفرض مزيدًا من الحذر، يبقى الوعي المجتمعي والتثبت قبل تقديم الدعم السبيل الأمثل لحماية الموارد، وصون ثقة المجتمع، ومساندة من يستحق فعلًا.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية