ظل الرسم عند مرعي التليسي لغة حياة كاملة، بها استعاد طفولته، ودوّن ذاكرة المكان، وترك أثره الإنساني والفني خارج حدود اللوحة. كانت ألوانه تحكي ما عجزت الكلمات عن قوله، وتحوّل تجربته إلى سيرة مفتوحة، تُقرأ بالعين ويشعر بها القلب.
في عالم الألوان والخيال، كان مرعي التليسي واحدًا من أبرز وجوه الفن التشكيلي الليبي المعاصر، وسفيرًا لما يمكن تسميته بالواقعية السحرية المحلية؛ واقعية لا تنقل المشهد كما هو، بل كما يُحسّ ويُستعاد في الذاكرة. من بنغازي حيث البدايات الأولى، إلى طرابلس حيث نضجت التجربة واتسعت، ظلّ التليسي وفيًا لتفاصيله الصغيرة: الطفولة، الوجوه، البيوت، الجدران، والمدينة بوصفها كائنًا حيًا.
الطفولة بوصفها منبعًا دائمًا
بدأ مرعي التليسي الرسم في سن مبكرة جدًا، وظهرت موهبته منذ سنواته الأولى، حيث كان رسام المدرسة وصاحب الميول الفنية اللافتة. لم تكن الطفولة عنده مرحلة عابرة، بل تحولت لاحقًا إلى منجم بصري دائم، استعاد عبره البراءة، اللعب، الخوف، والدهشة، وجعل منها عناصر مركزية في أعماله التشكيلية.
من بنغازي إلى طرابلس: اتساع التجربة
في سن مبكرة، انتقل إلى طرابلس، وهناك اتسعت رؤيته الفنية واحتك بالمشهد التشكيلي الليبي عن قرب. شكّلت المدينة فضاءً جديدًا للتجريب، ليس فقط داخل المرسم، بل في الشارع والجدار والفضاء العام. لم يتعامل مع اللوحة بوصفها مساحة مغلقة، بل كامتداد للحياة اليومية، ما قاده إلى الاشتغال على الجداريات والفن العام.
الجدار… حين يصبح الفن ملكًا للجميع
أولى مرعي التليسي اهتمامًا خاصًا بالجداريات، محولًا الجدران إلى دفاتر مفتوحة للسرد البصري. نفّذ عددًا من الجداريات في شوارع طرابلس ومبانٍ عامة، كما شارك في تزيين فضاءات خارج ليبيا، مؤمنًا بأن الفن يجب أن يخرج من القاعات المغلقة ليصير جزءًا من الحياة اليومية.
أسلوب متعدد وأدوات مفتوحة
تميّزت تجربة التليسي بتعدد الأدوات والأساليب؛ اشتغل على الرسم، النحت، التصوير الفوتوغرافي، وتصميم الغرافيك، دون أن يفقد هويته البصرية. انتقل بسلاسة من الواقعية إلى الواقعية السحرية، مع حضور لافت للرمزية، والاهتمام بالإنسان والمرأة والطفل والمدينة الليبية بوصفها ذاكرة جمعية.
المعارض والحضور الدولي
شارك مرعي التليسي في معارض فنية داخل ليبيا وخارجها، من بينها تونس، إيطاليا، مالطا، والنمسا، حاملاً معه ملامح المكان الليبي إلى فضاءات أوسع. حظيت أعماله باهتمام الجمهور والنقاد، لما تحمله من صدق إنساني، وبساطة شكلية، وعمق دلالي.
المرسم… مساحة للحوار
لم يكن مرسمه في المدينة القديمة بطرابلس مجرد مكان للعمل، بل تحوّل إلى ملتقى ثقافي وفني، وفضاء للحوار وتبادل الأفكار بين الفنانين والمثقفين. هناك، تشكّلت علاقات فنية وإنسانية، وأسهم في دعم جيل جديد من المبدعين.
الرحيل… وبقاء الأثر
في 28 مايو 2020، رحل مرعي التليسي إثر أزمة قلبية، تاركًا خلفه تجربة فنية وإنسانية عميقة. لم يكن رحيله نهاية لحكايته، بل بداية لمرحلة جديدة من حضور أعماله في الذاكرة الثقافية الليبية.
مرعي التليسي لم يكن فنانًا يرسم لوحات فقط، بل إنسانًا عاش بالرسم، وجعل من اللون وسيلته الوحيدة لرواية الحياة. تجربة لم تُروَ بالكلمات، لأنها اختارت اللون طريقًا وحيدًا للحكاية.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية

