عبدالله الزائدي
في ملامحه الضاربة في عمق التاريخ العربي، وصدى كلمات والده الذي كان ينظم الشعر الشعبي، ولدت حكاية الشاعر والإذاعي القدير محمد المهدي أحمد أبوزريدة، وفي مثل هذا اليوم، السادس عشر من أبريل من عام 2009، تمر علينا ذكرى رحيل هذا الهرم الأكاديمي والإبداعي الذي فارقنا ، إثر حادث سير أليم بمنطقة القوارشة ببنغازي في اوج العطاء ، تاركاً خلفه مكتبة من الحب والقوافي وصوتا لا يشيخ.
لم يكن المهدي مجرد عابر في دروب الثقافة؛ فمنذ ولادته في إجدابيا عام 1942، عاش حياة الارتحال مع والده الذي كان موظفاً في “دائرة البرق”، متنقلا بين مدن ومناطق ليبية عديدة (تيكة، البريقة، جالو، القوارشة، وطبرق وغيرها)، قبل أن يستقر في بنغازي. هذا الترحال منحه مخزوناً ثقافيا وبصيرة مكنته، وهو لم يتجاوز التاسعة عشرة، من هضم أمهات كتب التراث والروايات العالمية، ليصبح أسطورة في حماية لغة الضاد.
بدأت ملكته الشعرية تتبلور في الستينات، وكانت الانطلاقة الكبرى عام 1964 بقصيدة “اطمئني” التي أرسلها للملحن كاظم نديم، ليغنيها الفنان خالد سعيد في أول ظهور له، ومنذ ذلك الحين، توالت دواوينه التي زينت المكتبة العربية، بدءاً من “هكذا غنت العشرون” (1967) وصولا إلى مجموعته التي طبعت بعد وفاته عام 2009 وتضم دواوين لافتة مثل ديوان للحب والناس و أُحبكِ مرةً أخرى و أبحر الحب
في عام 1966، دشن المهدي مسيرته الإذاعية كقارئ لنشرة الأخبار، لكن سرعان ما تحولت برامجه إلى طقوس يومية للمستمعين، من ينسى برنامج المسابقات الشهير “ما هي؟” الذي استمر لعقد من الزمان، أو برنامج “قول وقائل” الذي كان منارة للأدب والشعر.
ولم تقتصر براعته على الإعداد والتقديم، بل كان محاوراً بارعاً، حيث سجل التاريخ لقاءاته مع زعماء ومشاهير، على رأسهم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، والموسيقار محمد عبدالوهاب، والشاعر أحمد رامي، وكوكبة من نجوم الزمن الجميل مثل نجاة الصغيرة وسناء جميل وتوفيق الذقن.
إلى جانب إبداعه، كان للمهدي دور “مؤسسي” وطني؛ إذ أسس عام 1990 لجنة لمراقبة اللافتات لغوياً في بنغازي، ووضع دراسة لغوية رصينة عممت على كامل ليبيا، حرصاً منه على ألا تدنس لغة القرآن بالخطأ أو اللحن، كما تقلد منصب مدير إدارة الثقافة ببنغازي قبل تقاعده، مشرفاً على رعاية المتفوقين.
رحل محمد المهدي أبوزريدة، ووري جثمانه الثرى بمقبرة الهواري، لكنه دخل الموسوعة الشعرية العربية المعاصرة من أوسع أبوابها، وبقي اسمه علامة فارقة في تاريخ الإعلام والأدب الليبي، كصوتٍ دافئ لم يعرف الانكسار.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية