في عالم الكاريكاتير، كان محمد الزواوي أكثر من رسامٍ ساخر؛ كان ساحرًا يُخفي المعنى خلف ابتسامة، وحكّاءً يصنع الدهشة من تفاصيل عابرة.
لم تكن ريشته تكتفي بتصوير الموقف، بل كانت تعيد صياغته، تُكثّفه، وتمنحه بعدًا إنسانيًا عميقًا. لذلك لم يكن غريبًا أن يُوصف بـ«ساحر الريشة» و«حكّاء الدهشة»؛ إذ كانت لوحته مساحةً سردية مكتملة، تضجّ بالشخصيات والإشارات، وتدع القارئ يكتشف طبقاتها كما يقرأ قصة قصيرة مرسومة.
البدايات… موهبة تتكوّن خارج الأسوار
وُلد عام 1936 بضواحي بنغازي، وغادر المدرسة مبكرًا، غير أن انقطاعه عن الدراسة لم يكن انقطاعًا عن التعلم. كوّن ثقافته البصرية من الشارع الليبي، من المقاهي والأسواق والوجوه اليومية. عمل في القسم السمعي والبصري ضمن برنامج «النقطة الرابعة»، ثم في وزارة الأنباء والإرشاد، وهناك بدأت ملامح صوته الفني تتبلور.
انطلاقة مختلفة… حين أصبحت اللوحة حكاية
عام 1963 نشر أولى أعماله في مجلة «الإذاعة» بطرابلس، فلفت الأنظار بأسلوب غير مألوف. لم يعتمد على النكتة السريعة أو التعليق المباشر، بل شيّد لوحات مزدحمة بالتفاصيل الدقيقة، بحيث تبدو كل شخصية داخلها وكأنها تروي حكاية مستقلة.
عمل في صحف عدة مثل «الثورة» و«الأسبوع السياسي» و«الجماهيرية»، وترك أثرًا خاصًا في مجلة «الأمل» للأطفال، حيث قدّم عالماً طفوليًا ذكيًا لا يخلو من البعد التربوي والخيال الخصب. كما عبرت أعماله إلى الصحافة العربية، مؤكدة حضور اسمه خارج الحدود الليبية.
الأسلوب… دهشة تتجدّد مع كل نظرة
تكمن عبقرية الزواوي في قدرته على بناء مشهد كامل داخل إطار واحد. تفاصيله ليست زخرفة، بل مفاتيح قراءة. في زاوية بعيدة قد تجد تعبيرًا صامتًا يُغيّر معنى اللوحة كلها. كان يسخر دون قسوة، وينتقد دون خطاب مباشر، فتأتي الضحكة ممزوجة بالتأمل.
شخصياته — البدوي، الموظف، المرأة، الطفل، المثقف — لم تكن نماذج جامدة، بل مرايا تعكس تناقضات المجتمع الليبي وتحولاته. وهنا تحديدًا تتجلى صفة «حكّاء الدهشة»: إذ يحوّل الموقف اليومي إلى مشهد نابض بالحياة، تتعدد فيه القراءات.
بين الكتاب والرسوم المتحركة
أصدر مجموعات كاريكاتيرية مثل «الوجه الآخر» و«كلمات بلا كلمات»، وفيهما يظهر اعتماده على التعبير البصري الخالص. كما خاض تجربة الرسوم المتحركة في أعمال منها «يوميات جحا» و«الحاج نكد»، ناقلًا حسّه الساخر إلى فضاء الشاشة، دون أن يفقد بصمته الفنية الخاصة.
إرث لا يُمحى
رحل في 5 يونيو 2011 بطرابلس، لكن لوحاته بقيت حيّة في الذاكرة الثقافية الليبية. يُنظر إليه بوصفه «أب الكاريكاتير الليبي»، لا لسبقه الزمني فحسب، بل لعمق أثره وتجديده في هذا الفن.
سيبقى محمد الزواوي ساحر الريشة وحكّاء الدهشة، فنانًا آمن بأن الخط البسيط قادر على قول ما تعجز عنه الخطب المطوّلة، وأن الضحكة الذكية قد تكون أصدق أشكال النقد وأعمقها أثرًا.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية