الهادي بوحمرة
إن بناء مجلس القضاء على أساس التساوي بين الجهات، أو التوازنات السياسية، أو الولايات، أو الأقاليم، أو المناطق الانتخابية ، في سياق منقسم أصلا بين حكومتين وسلطتين تشريعيتين متوازيتين، لا يكون مجرد اختيار تنظيمي، بل يتحول إلى فعل تأسيسي يحمل دلالة أبعد من شكله الظاهر.
ففي ظل وجود حكومة في الشرق وأخرى في الغرب، ومجلس نواب يمارس التشريع في جهة، ومجلس دولة يؤدي وظيفة الغرفة الثانية في جهة أخرى، فإن اعتماد معيار التساوي بين الولايات أو الجهات أو الاصطفافات داخل مجلس القضاء لا يعالج الانقسام، بل يعيد إنتاجه داخل المؤسسة التي يفترض أن تكون آخر حصون الوحدة، ذلك أن القضاء، بخلاف السلطتين التنفيذية والتشريعية، ليس مجالا للتوازن بين الإرادات المتعارضة، أو لإنتاج حلول توافقية بين جهات تتقاسم الدولة، بل مجالا لإعادة توحيد المعنى القانوني الذي تفرق بفعل النزاع. فإذا أدخل منطق التساوي الإقليمي إلى بنيته، أصبح المجلس انعكاسا للانقسام القائم، لا أداة لتجاوزه. وهنا يفقد القضاء وظيفته الرمزية كمرجعية نهائية مشتركة، ويتحول إلى بنية موزعة، تستمد توازنها من نفس المنطق الذي أنتج الانقسام السياسي.
والأخطر من ذلك أن هذا التأسيس يحمل اعترافا ضمنيا بأن الانقسام ليس حالة طارئة ينبغي تجاوزها، بل واقع بنيوي ينبغي تنظيمه وإدارته. فبدل أن يكون مجلس القضاء أداة لإعادة بناء وحدة الدولة القانونية، يصبح إطارا لتكريس ازدواجها، أو تعدد النفوذ فيها، ويصبح التساوي بين الولايات، أو المقاطعات، أو المناطق، أو الأقاليم ليس ضمانة لحسن سيرد العدالة، وانتظام مؤسساتها، وحماية قضاتها، بل تعبيرا عن قبول ضمني بأن الأصل هو التعدد، وتضارب أو تنافس المصالح، وأن الوحدة لم تعد نقطة الانطلاق، بل مجرد نتيجة محتملة لتوازن هش…. ومن ناحية رمزية، فإن هذا التحول ينقل القضاء من كونه سلطة فوق الانقسام إلى كونه سلطة داخل الانقسام، وبدل أن يكون القاضي حاملا لشرعية قانونية مجردة، يصبح جزءا من معادلة توازن بين كيانات متقابلة. وهنا يتغير معنى المؤسسة نفسها، من كونها أداة لحسم النزاع، إلى كونها أداة لإدارته دون إنهائه.
ومتى كان الأمر كذلك، فإن التفكير في بناء مجلس القضاء على أساس التساوي بين الجهات أو الاقاليم أو حتى المكوناا، في ظل ازدواج السلطة التنفيذية والتشريعية، قد لا يكون خطوة نحو الحل، بل خطوة إضافية في مسار ترسيخ الانقسام، لأن أخطر مراحل الانقسام ليست حين يوجد واقعا، بل حين يبدأ في إعادة تشكيل المؤسسات التي كان يفترض أن تتجاوزه. فحين يعاد تصميم القضاء على صورة الانقسام، يتحول الانقسام من أزمة سياسية إلى بنية مؤسسية، ومن وضع مؤقت إلى نظام قابل للاستمرار….
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية