منصة الصباح

ما هي كرات البحر؟.. لماذا تعرف “رئة المتوسط” ؟.. وكيف تكونت؟

هل سبق لك أن فكرت في الكرات التي تملأ شواطئنا والمرتبطة بذكرياتنا على الشاطئ من منا لم يجمعها ومن منا لم يلعب بها، هي جزء من رحلاتنا وذكرياتنا، من منا لم تلفت الكرات العشبية التي تظهر أحيانًا على الشواطئ انتباهه وفكر بها، وقد يظنها البعض مجرد مخلفات بحرية، لكنها في الواقع دليل على وجود أحد أهم النباتات في البحر الأبيض المتوسط، وهو نبات بوسيدونيا أوسينيكا (Posidonia oceanica)، المعروف بيئيًا باسم “رئة المتوسط” لما يؤديه من دور محوري في دعم الحياة البحرية.

كنز بيئي تحت السطح
كنز بيئي تحت السطح

وتتكوّن هذه الكرات عندما تنفصل ألياف أوراق البوسيدونيا بفعل الأمواج والتيارات البحرية، فتلتف حول نفسها تدريجيًا حتى تتحول إلى كتل كروية كثيفة تُقذف لاحقًا نحو الشاطئ خلال فترات اضطراب البحر، في ظاهرة طبيعية تعكس وجود مروج الأعشاب تحت الماء.

كنز متوسطي تحت السطح

تُعدّ البوسيدونيا نباتًا مستوطنًا في البحر الأبيض المتوسط ومن أكثر الأعشاب البحرية انتشارًا فيه، إذ تغطي مروجها ما بين 25 و50 ألف كيلومتر مربع من المناطق الساحلية، أي ما يقارب ربع قاع البحر، وتنمو على أعماق تصل إلى نحو 40 مترًا.

كنز بيئي تحت السطح

وتنتج هذه الأعشاب كميات كبيرة من الأكسجين تتراوح بين 14 و20 لترًا يوميًا لكل متر مربع، ما يجعلها مصدرًا رئيسيًا لتزويد المياه الساحلية به، فضلًا عن دورها في تثبيت قاع البحر والحد من تآكل الشواطئ وتوفير موائل وغذاء لعدد كبير من الكائنات البحرية. لذلك يُعد وجودها مؤشرًا مهمًا على جودة المياه وتوازن النظام البيئي.

حضور على الساحل الليبي.. وتراجع مقلق

تنوه الجمعية الليبية لحماية الأحياء البحرية بشكل متكرر إلى أهمية هذا النبات، مشيرة إلى أن مروج البوسيدونيا كانت في السابق أشبه بـ“غابات تحت الماء”، إلا أن انتشارها اليوم أصبح محدودًا في بعض المناطق، من بينها أجزاء من شواطئ بنغازي.

وتحذر الجمعية من أن تراجع هذه الأعشاب قد يهدد التوازن البيئي، خاصة أن المحيطات تعد مصدرًا رئيسيًا للأكسجين على كوكب الأرض، ما يعزز من القيمة الاستراتيجية لهذه النباتات.

تحذيرات موثقة منذ سنوات

وكان مؤسس الجمعية، الكابتن علي بوشويقير، قد أعدّ تقريرًا توثيقيًا عام 2019 رصد فيه جملة من المخاطر التي تواجه البيئة البحرية في ليبيا، مؤكدًا أهمية الدفاع عنها واتخاذ إجراءات وقائية للحد من التلوث. ورغم أن التقرير يعود لعدة سنوات، فإن كثيرًا من التحديات التي أشار إليها ما تزال مطروحة حتى اليوم.

الصيد بالمتفجرات.. تهديد مباشر للأعشاب البحرية

٠وضع التقرير الصيد بالديناميت، المعروف محليًا بـ“الجولاطينة”، في مقدمة الأخطار البيئية، موضحًا أنه أحد أشكال الصيد غير المشروع الذي يعتمد على تفجير المياه لقتل تجمعات الأسماك.

ولا يقتصر أثر هذه الانفجارات على الأسماك فقط، بل يمتد إلى تدمير الموائل الطبيعية مثل الشعاب المرجانية ومروج البوسيدونيا، التي توفر مأوى لعدد كبير من الكائنات. كما أن هذه الممارسات تشكل خطرًا على الصيادين أنفسهم بسبب احتمالات الحوادث والإصابات، رغم حظرها قانونيًا.

البلاستيك ومياه الصرف.. تلوث يهدد التوازن

ومن بين التحديات الأخرى، أشار التقرير إلى النفايات البلاستيكية التي ينتهي بها المطاف في البحر، حيث تؤثر في الحيتان والسلاحف والطيور والأسماك، وقد تؤدي إلى نفوقها بعد ابتلاعها أو التشابك بها.

كما يمثل تسرب مياه الصرف الصحي المحمّلة بالمواد الكيميائية والجراثيم مصدرًا مباشرًا لتلوث المياه، ما يقوّض استقرار النظام البيئي الساحلي.

توصيات لحماية “رئة المتوسط”

دعت الجمعية في تقاريرها السنوية البيئية حول البوسيدونيا إلى اتخاذ خطوات عملية للحفاظ على البيئة البحرية، من أبرزها سنّ قوانين صارمة للحد من التلوث، وإنشاء مكبات للنفايات بعيدًا عن الشواطئ، ودعم الأبحاث العلمية، إلى جانب نشر الوعي بين الصيادين والمجتمع بأهمية حماية التنوع الحيوي.

لا تمثل الكرات العشبية مجرد ظاهرة طبيعية عابرة، بل تحمل رسالة بيئية واضحة عن صحة البحر وما يواجهه من تحديات. فبينما تكشف هذه الكرات عن وجود مروج البوسيدونيا، فإن تراجع هذه “الغابات البحرية” يسلط الضوء على الحاجة الملحة لحمايتها.

وفي ظل تزايد الضغوط البيئية، يبقى الحفاظ على “رئة البحر المتوسط” ضرورة لضمان استدامة الحياة البحرية وصون ثروات الساحل الليبي للأجيال القادمة.

شاهد أيضاً

الجمعية القضائية تُدين اغتيال المُرشَّح “سيف الإسلام القذافي” 

دانت الجمعية الليبية لأعضاء الهيئات القضائية، عملية اغتيال المرشح الرئاسي سيف الإسلام القذافي”، خلال الأيام …