منصة الصباح
طارق القزيري

لقاء الجوار الليبي: حزام الأزمات وامتحان الإقليم

لم يكن اجتماع تونس بين وزراء خارجية مصر والجزائر وتونس ترفاً دبلوماسياً، بل استجابة لجغرافيا سياسية تضغط على الدول الثلاث من اتجاهات متشابكة.

ليبيا اليوم عقدة في حزام أزمات تعمل كسلسلة إمداد إقليمية: ما يتحرك فيها من سلاح ومقاتلين وتدفقات مالية وبشرية يُغذّي ساحات أخرى، وما يشتعل حولها يرتد إليها.

هذا الترابط يجعل أي تصعيد ليبي مُضخِّماً لأزمات الإقليم لا حدثاً معزولاً.

البيان الختامي رسم خطوطاً مألوفة: وحدة ليبيا، رفض التدخلات، سحب المقاتلين الأجانب، وانتخابات متزامنة. لكن الدول الثلاث لا تطرح نفسها بديلاً عن المسار الأممي، بل رافعة إقليمية بأدوات محددة: ضغط سياسي منسّق على الأطراف الليبية، وتنسيق حدودي واستخباراتي، وقنوات تواصل موازية تمنح الأمم المتحدة سنداً ميدانياً.

كما ان حضور المبعوثة الأممية في الاجتماع كان رسالة مزدوجة: للداخل بأن الحل يبقى “ليبياً-ليبياً”، وللخارج بأن دول الجوار ترفض تسويات تُفرض فوق رؤوسها.

تتباين دوافع كل طرف وإن التقت. مصر ترى في الاستقرار الليبي ضرورة أمنية مباشرة، خاصة في لحظة يتصاعد فيها التنافس الخليجي علناً في أكثر من ساحة.

الاحتكاك السعودي-الإماراتي الظاهر في السودان واليمن يجعل ليبيا مرشحة لتكون ساحة “تعويض” عبر وكلاء ومسارات تمويل. التقارب المصري-السعودي هنا ليس ترفاً بل حساب توازن؛ القاهرة تسعى لتحييد ليبيا عن هذا الاستقطاب قبل أن يتمدد إليها.

الجزائر تنظر جنوباً أولاً؛ الجنوب الليبي امتداد مباشر لأزمة الساحل، وبقاء كتلة مسلحة متحركة هناك يربط ليبيا عضوياً بسوق الحرب الساحلية.

لذلك يحتل “سحب المرتزقة” أولوية جزائرية قصوى. تونس الحلقة الأضعف اقتصادياً؛ تجارة الحدود والتحويلات وضغط الهجرة تجعلها ميّالة لتبريد المشهد لا ترجيح كفة. والدولتان، كمصر، تدركان أن تحوّل ليبيا إلى ساحة صفقات ووكلاء خليجيين سيُقلّص هامشهما ويُعقّد حساباتهما الأمنية.

غير أن بند “المقاتلين الأجانب” يواجه تعقيداً لا يعالجه البيان. الوجود التركي مُقنّن باتفاقية مع حكومة معترف بها دولياً، وإن ظل محل جدل داخلي حول حدود التفويض وأثره على ميزان القوة.

الوجود الروسي عبر “أفريكا كوربس” يفتقر لأي غطاء قانوني. لكن المعادلة ليست قانونية فقط بل شبكية: كلا الوجودين يرتبط بمنظومات محلية مستفيدة تجعل الانسحاب مسألة مصالح لا قرارات. ضغط انتقائي يستهدف طرفاً ويتجاهل الآخر، أو يحوّل البند إلى أداة تفاوض لا قاعدة سيادة، سيُفقد الآلية مصداقيتها ويُعيد إنتاج الاستقطاب.

يغيب عن البيان أيضاً الملف الاقتصادي، وهو محرّك الصراع الفعلي. المصرف المركزي المنقسم، وتوزيع إيرادات النفط، والمؤسسات المزدوجة تجعل الانقسام مُربحاً لأطرافه.

قد يكون الحد الأدنى المطلوب من الآلية هنا: دعم مسار مالي موحّد يشمل شفافية الإيراد وقواعد إنفاق وتوحيداً تدريجياً، كشرط تهيئة لا كثمرة انتخابات. دون ذلك تبقى الانتخابات شعاراً لا مساراً.

أما الفاعل الدولي الأثقل فغائب.

العلاقة بين الآلية الثلاثية والمقاربات الغربية (أمريكية-إيطالية تحديداً) ستحدد سقف التأثير: توازٍ متفاهم يعني نفوذاً عملياً أعلى، تقاطع صامت يعني بيانات كثيرة وأثراً محدوداً، منافسة ضمنية تعني توسيع الاستقطاب داخل ليبيا ذاتها.

دوافع الثلاثة دفاعية لا هجومية: منع ليبيا من التحول لمنصة تضخيم، لا مشروع لحلها. الأفق مرهون بثلاثة اختبارات: التنسيق مع القوى الكبرى، الضغط المتوازن على الوجود الأجنبي بشقيه، والجرأة على ملامسة الاقتصاد الذي يُغذّي الحرب. دون ذلك، يبقى البيان سقف ضبط لا خريطة طريق.

طارق القزيري

شاهد أيضاً

عبدالرزاق الداهش

رفعت الأسد وليبيا

المسافة بين طرابلس ودمشق نحو ثلاثة آلاف كيلومتر بالجغرافيا. أما بالسياسة فالمسافة قريبة جدًا، والكلام …