كأن الرجبان نفسه تنفس حين وُلد كامل الهادي عراب. بين أصوات البحر ونفحات الزمن، تولدت الكلمات قبل أن يكتبها، ونمت الأفكار قبل أن ينطق بها. لم يعرف طريقه إلا بين سطور الصحف، وبين أصوات الشعراء اليساريين الذين أحياهم على موجات الإذاعة، وفي مقاعد المقاهي حيث كان يراقب الحياة بسخرية مُرهفة، ويضحك من العالم بينما العالم لم يضحك له.
عراب لم يكن يكتب فقط، بل كان يختبر الكلمة، يضعها على الميزان قبل أن يطلقها، يجعلها مسلحة بالحقيقة وجماليات النص، مشحونة بالتمرد والحس الإنساني. سجنته السلطة؟ لم تكسر عزيمته. حبه للحياة؟ لم يفتّه التعبير عن البهجة الصامتة. بين الظل والنور، بين الصرامة والفكاهة، كانت كلماته تنبض بالحرية قبل أن يعرفها الناس، وتترك أثراً لا يمحى في الثقافة الليبية.
ولادة الكلمة والنشأة
وُلد كامل الهادي عراب في الرجبان عام 1935، وتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة غريان، ونشأ في طرابلس. منذ بداياته، كانت الكلمة مرافقته الدائمة، فأصبح جزءًا من المشهد الثقافي الليبي مع مطلع الستينات، حين عمل مذيعًا في الإذاعة الليبية وبرز من خلال إعداد وتقديم البرامج الثقافية التي احتفت بالأدب العالمي، وخصوصًا نصوص الكتاب اليساريين من أمثال لوركا ونيرودا ومايكوفسكي وآراجون.
كان هذا التوجه سببًا في مراقبته وتصنيفه سياسيًا، لكنه لم يدع ذلك يحد من شغفه الأدبي والثقافي.

الكاتب والمثقف الملتزم
برز كامل عراب ككاتب عبر الصحافة الأدبية منذ أواخر الخمسينات، وخاض معارك أدبية وثقافية دفاعًا عن التجديد في الشعر والأدب والالتزام بقضايا الجماهير. نشر مقالاته في صحف الستينات مثل: طرابلس الغرب، مجلة الإذاعة، ومجلة المرأة، وجمع بعض مقالات تلك المرحلة في كتابه “معارك الأمس”.
تميز بانتمائه للمدرسة الواقعية، مدافعًا عن جماليات النص الأدبي، متابعًا للجديد محليًا وعربيًا وعالميًا، ومشجعًا للأصوات الشابة، من بينهم القاصتين نجوى بن شتوان وتركية الواعر.
المحطات المهنية
خلال السبعينات تولى إدارة التخطيط والبحوث بالمؤسسة العامة للصحافة، ثم إدارة التأليف والترجمة والنشر بمعهد الإنماء العربي. وفي أواخر التسعينات ترأس صندوق تنمية الإبداع الثقافي بمقره الرجبان، قبل نقله إلى بنغازي. كما ترأس تحرير مجلة الفصول الأربعة خلال التسعينات وفترة ما بعد 2000.
مؤلفاته
يُعد كامل عراب من أهم كتاب المقالة النقدية والأدبية في ليبيا، ومن مؤلفاته:
معارك الأمس (1986)
الكلمات (1986)
عين على الواقع (1986)
انتقام الغزلان المسحورة (1987)
أوقات للتأمل (2006)
بهجة الصمت رغبة الكلام (2006)
وصل ما انفصل (2006)
اختلاجات الزمن الساخن (2008)
بنكهة الأدب أحيانًا (2008)

كما ساهم في مؤلفين نقديين:
آراء في كتابات جديدة (1983)
دراسات في الأدب (1986)
شاعر الكلمة
على الرغم من كونه ناقدًا أدبيًا، كتب كامل عراب نصوصًا شعرية جمعها في ديوان “بهجة الصمت رغبة الكلام”. ومن قصيدته “يفصل بيننا العويل”:
غلالة من بهاء وخصوبة
تتسربين بين إطلالة الغسق وهبة النسيم
القلب الذي ينهض متحاملا على أسقامه
تأخذه الدورة الواهنة
قصيدته تُظهر حسه الشاعري العميق وقدرته على مزج الانكسار بالبهجة، والجد باللعب اللغوي.
جوانب من شخصيته
كان دمثًا ودودًا محبًا لأصدقائه، ساخرًا من العالم أحيانًا، محبوبًا لفكاهته وطرائفه. ومن الطرائف المشهورة احتفاءه بالشاعر الجيلاني طريبشان، ودعمه المستمر للأصوات الشابة، حتى حين كانت السلطة تضغط على المثقفين.
وصيته وإرثه الثقافي
أعلن قبل رحيله عن رغبته في أن تُحفظ مكتبته الضخمة التي تضمنت أهم المراجع الأدبية والفلسفية والسياسية، لتكون عونًا للباحثين والقراء. وقد أهدت مكتبته لبيت نويجي الثقافي، وخصصت إحدى قاعات الدار باسم “مكتبة الكاتب كامل عراب” تكريمًا له.
كامل عراب لم يكن مجرد كاتب أو ناقد؛ بل كان حارسًا للثقافة، مرآة للواقع، وموقدًا للكلمة الحرة. رحيله في 26 فبراير 2013 لم يطفئ ضوء إرثه، فالأجيال التي تلت تبقى شاهدة على بصمته في الأدب الليبي، وعلى شغفه بالحرية الفكرية، وعلى حبه للكلمة التي كانت دائمًا سلاحه وأمله في العالم.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية