عبد الحكيم كشاد
لم يكن التعقيد الذي تميز به الكاتب اﻷمريكي ” ويليام فوكنر ” نتيجة عرضية ﻷسلوبه ، الذي كان أداة موجهة تستخدم ﻹفشال السرد ذاته . فهل كان فوكنر يكتب ليفهم ، وننسى أن الفهم نفسه وهم ورثته الرواية الكلاسيكية عن قرن كان يؤمن بالمعنى الثابت . في نصوص فوكنر لا تفشل الشخصيات وحدها ، ولكن تفشل اللغة أيضا في إنقاذها . الكلمات لا تكشف الحقيقة ، تؤجلها وتشوهها ، وتعيد إنتاجها في صور متناقضة ، ولهذا فإن تعدد اﻷصوات لا يعني بدوره تعدد وجهات النظر بقدر مايعني غياب ركيزة يمكن الركون إليها . ولم تكن لدى فوكنر رواية تروى إنما شظايا خطاب يتداعى حول حدث لايمكن اﻷمساك به . ما يهمل غالبا في قراءة فوكنر . هو أن رواياته تبدي انهيار عالم ولا تهتم ببنائه ” المكان ” ليس خلفية ، “والزمن” ليس إطارا ، و”الشخصيات” نفسها بقايا معنى فقد شرعيته لا أدوات سردية ، فالجنوب اﻷمريكي الذي تحدث عنه فوكنر طويلا لا يمثل خصوصية ثقافية ، بقدر ما يمثل ذاكرة عاجزة عن التحول . ماض يرفض أن يكون تاريخا ، فيبقى عبئا أخلاقيا لا يمكن تجاوزه . اﻷكثر راديكالية في مشروع فوكنر بأكمله موقفه من القارئ فهو لايدعوه إلى مائدة المشاركة بينما في الحقيقة هو يستنزف رغبته في الفهم ، ويضعه أمام نص يقاوم التأويل ، ومن ثم القارئ سيكون هنا طرفا متورطا في تجربة فشل معرفي لا شريكا فيه . وكل محاولة لترتيب النص أو تبسيطه خيانة له . على هذا اﻷساس يمكن النظر إلى فوكنر بوصفه روائيا يكتب ضد اﻷخلاق السردية السائدة ، تلك التي تفترض أن الرواية يجب أن تقدم معنى أو عزاء أو خلاصا . رواياته لا تعد بشيء ، ولا تنتهي إلى كشف . تترك القارئ في منطقة رمادية حيث لا يقين ولا تطهير . وهذا ما يجعل نصه غير قابل للاستهلاك السريع ، أو للتدجين اﻵكاديمي الكامل. إن مافعله فوكنر في الرواية ، هو نقل الرواية من كونها أجاة تمثيل للعالم ، إلى كونها فضاء لانكشاف عجز اﻹنسان عن فهم هذا العالم . وليتحول السؤال من ماذا حدث ؟ إلى لماذا لايمكن أن نعرف ماحدث ؟ ، وهنا يكمن اختلافه الجذري عن معظم معاصريه ، وعن الكثير من القراءات والتي مازالت تحاول إنقاذ نصه بإعادة فرض المعنى عليه ، ما ظل يقاومه نص فوكنر على الدوام التحنيط الكلاسيكي ، نص يرفض أن يتحول إلى مثال يدرس بوصفه إنجازا متكملا . إنه نص غير مطمئن ، لأنه يذكرنا بأن الرواية في جوهرها ليست بحثا عن الحقيقة ، و هي باعتبارها منجز أدبي اعترافا مؤلما باستحالتها .. لهذا فأن قراءة فوكنر اليوم لا تنفصل عن تاريخ تلقيه ، فعبقريته لم تكن حقيقة مكتملة منذ البداية ، ومن هنا فأن فوكنر مثال نادر على الكاتب الذي لم يصنعه النص وحده ، هناك جدلية قائمة بين النص والنقد والقراءة ، بحيث أعاد فوكنر تعريف حدود الرواية وفي الوقت ذاته كشف عن الدور الخلاق للنقد في اكتشاف المعنى لا في فرضه . وإلى تلك المنطقة التي يلتقي فيها اﻹنسان بذاته ، ويكتشف أن ماحدث لا يمضي ، وأن الحكاية لا تروى مرة واحدة ، وأن الحقيقة في جوهرها متكسرة وغير مكتملة .
…
لايمكن إغفال هذا التحول في إعادة قراءتنا لسردية فوكنر اليوم و الذي أسهم في ترسيخ استقلال اﻷدب اﻷمريكي عن النماذج اﻷوروبية فبدل محاكاة الشكل الروائي السائد قدم فوكنر نموذجا نابعا من بيئته ، لكنه قادرا عن التعبير عن قلق إنساني شامل . لقد أثبت أن المحلية حين تك بعمق ، تتحول إلى كونية ، وأن الهامش يمكن أن يصبح مركزا سرديا للعالم .
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية