منصة الصباح
قلم في مواجهة الظلام

قلم في مواجهة الظلام

في زوايا المدن، حيث تتشابك أصوات الرياح مع همسات التاريخ، يظل لبعض الأقلام وزن لا يُنسى، وحضور لا يزول. مفتاح بوزيد كان واحدًا من هؤلاء؛ قلم لم يخف أمام الظلام، وكلمة لم تنحني أمام الخوف. في مدينة بنغازي، حيث تتداخل الخيبات بالصخب، شقّ طريقه بجسارة عبر ميادين الصحافة، ليصبح صوتًا عاليًا في مواجهة التطرف والإرهاب.

بداياته ومسيرته الصحفية

وُلد مفتاح عوض بوزيد في 26 يناير 1964 في مدينة بنغازي، وولِد معه عشق الكلمة التي تُقاوم الصمت وتُضيء الحقيقة وسط الظلام. عرف بوزيد نفسه منذ سنوات مبكرة كمحلل سياسي وصحفي ناقد، وكان صوته يعلو عبر صفحات جريدة برنيق التي ترأس تحريرها، وهي من الصحف الليبية البارزة في شرق ليبيا، حيث وظّف قلمه للحديث عن واقعه، وتسليط الضوء على المخاطر التي تواجه بلاده.

أرابيكا

لم يكن متخفّيًا خلف العبارات الفضفاضة. ظهر بوزيد عدة مرات على شاشات التلفزيون، محللًا وناقدًا للأحداث السياسية والأمنية، لا سيما في نقاشاته حول الجماعات المسلحة وتأثيرها على المجتمع الليبي، وهو ما جعله واحدة من أبرز الوجوه الإعلامية التي واجهت موجات التطرف منذ ثورة 2011.

مواقفه الجريئة ونضاله الصحفي

كان مفتاح بوزيد من أشدّ المنتقدين للجماعات الإسلامية المتشددة في بنغازي، وقد تلقّى تهديدات بالقتل عدة مرات بسبب آرائه الجريئة وتغطياته التي كشفت عن الخطر الذي تمثّله الميليشيات المسلحة.

في الأيام التي سبقت اغتياله، تحدث بوزيد عن مصادرة أعداد من صحيفة برنيق من قبل مسلحين، ما يعكس حجم الضغط والتحدّي الذي عاشه في مهنته الصحفية.

اغتياله وتأثير الحادثة

في 26 مايو 2014، في صباح أحد أيام بنغازي، توقّف الزمن أمام قلمٍ لم يتوقّف عن الكتابة حتى اللحظة الأخيرة. اغتيل مفتاح بوزيد بينما كان في سيارته في شارع جمال عبد الناصر وسط بنغازي، بعد إطلاق النار عليه من قبل مسلحين مجهولين، ما أدّى إلى مقتله على الفور.

كان الاغتيال صدمة في المشهد الليبي، وأدانته منظمات دولية ومحلية، بما في ذلك الاتحاد الدولي للصحفيين واليونسكو، التي اعتبرت الحادثة هجومًا على حرية الصحافة وحق المجتمع في المعرفة.

إرثه وتخليد ذكراه

بعد رحيله، ترك بوزيد فراغًا كبيرًا في الساحة الإعلامية، لكن كلماته ونضاله ظلا ينبوعًا يُذكّر الجميع بأهمية الدفاع عن الحق وحرية التعبير. في ليبيا، تم الاحتفاء به كـ “شهيد الكلمة”، وأُطلقت جوائز وفعاليات تكريمية باسمه تُعنى بالصحافة الحرة وتشجّع الإعلاميين على الاستمرار في مواجهة التحديات.

مفتاح بوزيد لم يكن مجرد صحفي تقليدي؛ كان مرآة لضمير المجتمع الليبي في أحلك لحظاته. عندما اختار أن يقف في وجه الظلام، وفّى الكلمة حقها حتى آخر لحظة في حياته. قصته تظلّ درسًا في الشجاعة والإصرار على الحقيقة، وتذكيرًا بأنّ القلم الصادق قادرٌ على إحداث أثر لا يزول، حتى حين يُسكت صاحبه جسديًا، تبقى كلماته تصدح في ذاكرة الأجيال.

شاهد أيضاً

الطقس

الأرصاد الجوية: الأجواء مستقرة دون تغير كبير على أغلب مناطق البلاد

الصباح توقع مركز الأرصاد الجوية، أن تبقى الأجواء دون تغير كبير على أغلب مناطق البلاد …