منصة الصباح
أحلام محمد الكميشي

قراءة في رسالة الخارجية إلى سفارة النيجر

أظهرت رسالة وزارة الخارجية الليبية إلى سفارة النيجر في طرابلس وجود أكثر من مليوني مواطن من جنسية واحدة داخل البلاد، وهذا العدد فضلاً عن أعداد مماثلة من جنسيات أخرى، وبالنسبة لدولة يبلغ عدد مواطنيها الليبيين نحو 8 ملايين نسمة، يشكل ضغطًا ديموغرافيًا وأمنيًا كبيرًا، ويعكس وجود سوق عمل غير رسمي يهيمن عليه الوسطاء والشبكات، وهو ما يضع الدولة وسيادتها أمام تحدٍّ حقيقي في ضبط العمالة والهجرة، وفرض سيطرتها داخل إقليمها، وإدارة الملفات الأمنية والسياسية محليًا وإقليميًا.

تشير الأرقام الضخمة للوجود الأجنبي غير المنظم إلى ضعف الرقابة على مستوى الاستقدام والتشغيل وحتى الترحيل الذي كثيرًا ما تظل إجراءاته مرتبطة بالشركاء، ما يجعل الدولة تعمل غالبًا برد الفعل وليس في إطار نظامي منضبط. ويحفل التاريخ بالدروس عن تحولات سكانية سابقة، مثل سيطرة الليبيين على مفاصل الدولة المصرية وصولًا لتأسيس حكم الأسر الليبية بدءً من الأسرة الثانية والعشرين، وكذلك دخول بني هلال وبني سليم لمصر وشمال أفريقيا، حيث خلق التدفق الكثيف للقبائل نفوذًا تدريجيًا مع الزمن، ما يوضح أن الكثرة والانتشار وحدهما قد يخلقان نفوذًا اقتصاديًا واجتماعيًا، حتى في غياب القوة العسكرية المباشرة.

وبغض النظر عن التحديات الصحية والثقافية والاجتماعية والأمنية، فمن الناحية الاقتصادية، إذا افترضنا أن مليونًا ونصف المليون من هؤلاء النيجريين مثلًا يمثلون اليد العاملة، ويكسب كل عامل متوسط 30 دينارًا يوميًا، فإن إجمالي الدخل الشهري يصل إلى نحو 1.35 مليار دينار، أي أكثر من 16 مليار دينار سنويًا. مع غياب التسجيل الرسمي والضرائب والرسوم، تفقد الدولة جزءًا كبيرًا من الإيرادات السيادية، وتتحرك الأموال خارج المصارف الوطنية، ما يضعف الدورة المالية ويساهم في خروج العملة الصعبة ويُضعف الدينار الليبي، ويزيد التضخم ويرفع أسعار السلع والخدمات، ويخلق ضغطًا يصعب قياسه على البنية التحتية والخدمات الأولية واستهلاك المياه والكهرباء والوقود والغاز والسلع الغذائية والأدوية.

ولعل المشكلة هي في قدرة الدولة الليبية على إدارة كل المقيمين داخل إقليمها، وخضوعهم لنظامها القانوني والإداري والمالي، لأن غياب الرقابة المنظمة، وتمدّد الشبكات، والبقاء في خانة رد الفعل، والمساومة السياسية، كل ذلك يرفع مستويات الخطر الوجودي والتحديات، ويهدر الموارد، ويضع سيادة الدولة على المحك.

أحلام محمد الكميشي

شاهد أيضاً

ستيفاني .ت .وليامز «لـيـبـيـا بـعـد الـقـذافـي الفوضى والبحث عن السلام»

المدن الساحلية الغربية والزنتان

ترجمة: عبدالسلام الغرياني.. خارج طرابلس، تركزت غالبية السكان الليبيين في الحواضر الساحلية؛ وبينما كانت بعض …