منصة الصباح
جمعة بوكليب

عُذوبة وعَذاب

جمعة بوكليب

زايد…ناقص

في اللغة العربية، يُستخدم الجذر (ع ذ ب) للـ “عذوبة” وللـ”العذاب.” ويرى بعض اللغويين صلة بينهما؛ فالعذاب قد يُسمى عذاباً لأنه ” يَعذِب” الانسان عن الطعام أو النوم (أي يمنعه ويقطعه عنه)، أو لأن التعذيب فيه إزالة لعذوبة الحياة.

التفسير أعلاه قدمه لي الذكاء الاصطناعي لدى سؤالي: “ما معنى كلمة عذوبة معجمياً؟”. لم أكن في الحقيقة أبحث عن معنى الكلمة، بل كنت أحاول بناء علاقة ودّية مع “الذكاء الاصطناعي” الذي اكتشفته مؤخراً، وبتشجيع من الأصحاب، ففاجأني بمعلومة لم تكن تخطر لي على بال؛ وهي أن تنتمي كلمة آسرة وجميلة في اللسان والوقع في الأذن إلى نفس الجذر اللغوي الذي تنتمي إليه كلمة تجعل القلب ينكمش خشيةً.

في تفسير ذلك، يقول الذكاء الاصطناعي إن اللغة العربية لغة”اشتقاقية” بامتياز، حيث تشترك الكلمات في “جنين لغوي” واحد (الجذر) ثم تتفرق في المصائر. فكما أن العذوبة تروي الظمأ، فإن العذاب هو الظمأ بعينه. الذكاء الاصطناعي لفت انتباهي إلى مفارقة لطيفة، وهي أننا أحياناً نوصف الحبَّ بـ “العذاب العذب”، وكأننا بقولنا ذاك نعود بالجذر إلى أصله الأول حيث يمتزج الألم باللذة.

العذاب نوعان: جسدي ونفسي. الجسدي معروف، والنفسي متعدد، وأسوأه في رأيي “الحرمان.” الحرمان أيضاً أنواع، وأسوأه حرمان مُحبٍّ من لقاء محبوبه، أو حرمان امرئ من التمتع بالعيش في وطنه. الأوطان أنواع هي الأخرى؛ منها الكريم والرحيم، ومنها القاسي غليظ القلب. والثاني منهما هو الوطن الذي “يُعذّب” أبناءه، أي الوطن الذي “يمنع” عنهم عذوبة الاستقرار والأمان.

السؤال الذي برز أمامي لدى انتهاء محادثتي مع الذكاء الاصطناعي وتوثيقها على النحو الوارد أعلاه، سؤال أخلاقي يتعلق بمن أحق منّا أن يضع اسمه على هذه المقالة: الذكاء الاصطناعي أم أنا؟ كل ما فعلته أنا لا يتجاوز طرقًا خجولاً على بابه بسؤال عن معنى كلمة “عذوبة” معجميًا، ففتح بابه، وأدخلني مدخل سوء بتذكيري بحرماني.

شاهد أيضاً

أحلام محمد الكميشي

نحن لا نتعب فجأة… نحن نتآكل بهدووووء

تمر أيامنا متسارعة، ونلتقي يوميًا بأقارب وأصدقاء وزملاء، قد نتبادل الحديث أو نقدم خدمة أو …