يصادف اليوم الرابع من ديسمبر ذكرى وفاة أحد أبرز العقول التي أنجبتها الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى، وهو غياث الدين أبوالفتوح عمر بن إبراهيم الخيام، الذي توفي في مثل هذا اليوم من عام 1123م.
ورغم شهرته الكاسحة كشاعر عالمي ارتبط اسمه “بالرباعيات” التي طارت بها الركبان وتغنت بمقاطع مختارة منها كوكب الشرق أم كلثوم، إلا أن إرث الخيام يمتد بعمق إلى صميم العلوم الدقيقة التي لم يكن يتقنها فحسب، بل كان رائداً فيها.
لم يكن الخيام مجرد شاعر متأمل، بل كان عالماً فذاً ترك بصمته في أعقد الفروع المعرفية، ليصبح بذلك نموذجاً للعالم الموسوعي. ففي مجال الرياضيات، يُعد الخيام أوّل من اخترع طريقة حساب المثلثات، كما بحث باستفاضة في نظرية ذات الحدين، وترك مؤلفات بارزة بالعربية، منها كتابه “شرح ما أشكل من مصادرات كتاب إقليدس” إلى جانب “رسالة في الموسيقى”.
وعلى صعيد الفلك والتقويم، تولى الرصد في مرصد أصفهان، وطلب منه السلطان “ملكشاه” في عام 1074 تعديل التقويم الفارسي القديم، مما يدل على براعته الفلكية الفائقة.
أما جدلية “الرباعيات” ومكانتها، فقد كتب الخيام هذه القصائد المؤثرة باللغة الفارسية، رغم قدرته على كتابتها بالعربية، وكانت تتميز بتراوحها بين الدعوة للتمتع بلذائذ الحياة، كما في قوله: “فانعم من الدنيا بلذّاتها.. من قبل أن تسقيك كفّ القدر”، وبين التوبة وطلب العفو من الخالق، مثل قوله: “يا عالم الأسرار علم اليقين.. يا قابل الأعذار فئنا إلى.. ظلّك فاقبل توبة التائبين”. والمفارقة التاريخية الكبرى تكمن في أن أول ظهور لرباعياته لم يكن إلا بعد رحيله بثلاثة قرون ونصف، ولم تُترجم إلى الإنجليزية إلا في عام 1859، قبل أن ينقلها إلى العربية الشاعران الكبيران أحمد رامي وأحمد الصافي النجفي، ليتعرف عليها الجمهور العربي على نطاق واسع في العصر الحديث.
لقد عاش عمر الخيام حياة رغد ساعدته على التفرغ للبحث والدراسة والإبداع، ليظل رمزه نموذجاً خالداً للعالم الذي وحّد بين جمال الشعر ودقة العلم.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية