منصة الصباح
علي الوكواك… حين يتحوّل الخشب إلى ذاكرة...!

علي الوكواك… حين يتحوّل الخشب إلى ذاكرة…!

عند النظر في تاريخ علي الوكواك الحافل بالفن والابداع ستتجاوز فكرة انه مجرّد نحّات ليبي، بل حالة فنية وإنسانية خاصة، اشتبك فيها الإبداع مع الذاكرة، والخشب مع الروح، والحرب مع فعل الجمال.

رحل بهدوئه المعروف، تاركًا وراءه تجربة تشكيلية ثرية، تشهد على مسار فني متفرّد، وعلى فنان آمن بأن النحت ليس شكلاً فقط، بل موقفًا أخلاقيًا من العالم.

البدايات ودار أكاكوس

ارتبط اسم علي الوكواك لسنوات طويلة بـ دار أكاكوس، ذلك البيت القديم المتجذّر في الذاكرة الثقافية الليبية، والذي لم يكن مجرد ورشة عمل، بل فضاءً روحيًا وفنيًا مفتوحًا. هناك، بين الجدران العتيقة، تشكّلت ملامح تجربته، وصاغ شخوصه الخشبية الأولى، مستلهمًا المكان، والتاريخ، وجبال أكاكوس بما تحمله من أثر إنساني وبصري عميق.

في ورشته، كان الحضور صامتًا إلا من صوت فيروز، رفيقته الدائمة، التي كثيرًا ما شكّلت خلفية وجدانية لأعماله. كان الوكواك يعمل في عزلةٍ مختارة، منكَبًّا على منحوتاته، حاضرًا بجسده، فيما روحه تحلّق في عوالم أبعد من اللحظة.

الخشب… صداقة وجذع حي

تميّزت تجربة الوكواك بعلاقة استثنائية مع الخشب. لم يتعامل معه كمادة جامدة، بل ككائن حي، له ذاكرة ونبض ونحيب. كان يقول، في جلساته القليلة، إن الشجرة لا تموت تمامًا، وإن على النحّات أن يُصغي طويلًا قبل أن يشرع في النحت.

انعكس ذلك في أعماله التي ازدحمت بالوجوه؛ وجوه متقاربة الملامح، مختلفة التفاصيل، مكتظّة بالأسئلة، تحدّق في المتلقي من زوايا متعددة، كأنها مرايا متقابلة لذاكرة جماعية واحدة.

النحت في مواجهة الحرب

من أبرز محطات تجربة علي الوكواك، اشتغاله الرائد على خردة الحرب. حوّل بقايا العنف إلى مجسّمات جمالية تنبذ الحرب والتطرّف، وتعيد تعريف المادة القاتلة بوصفها أداة للحياة والسلام. لم تكن هذه الأعمال مجرّد تجريب تقني، بل موقفًا واضحًا ضد العبث، ومحاولة فنية لاستعادة المعنى وسط الخراب.

المعارض والحضور الفني

رافقت شخوص الوكواك منحوتاته في معارض وجولات داخل ليبيا وخارجها، حيث لقيت أعماله اهتمامًا خاصًا لما تحمله من صدق تعبيري، وخصوصية أسلوبية تمزج بين التراث، والتجربة الذاتية، والأسئلة الوجودية الكبرى.

قصر المنارة… الصمت الأخير

في سنواته الأخيرة، نقل علي الوكواك ورشته إلى قصر المنارة. هناك، واصل العمل بصمتٍ أكثر عمقًا، يحتسي قهوته بهدوء، ويستقبل زوّاره القلائل بابتسامة لا تفارقه. لم يكن كثير الكلام، وكان يفضّل أن تشرح منحوتاته نفسها بنفسها.

رحيل هادئ… وأثر باقٍ

رحل علي الوكواك كما عاش: بهدوء، دون ضجيج، تاركًا خلفه تجربة فنية وإنسانية جديرة بالتوثيق والقراءة. تجربة تؤكد أن الفن يمكن أن يكون فعل مقاومة، وأن الخشب قادر على حمل الذاكرة، وأن الجمال، حتى في زمن الحرب، يظلّ ممكنًا.

«وحدن بيبقوا… متل زهر البيلسان».

شاهد أيضاً

مكتب شؤون المرور ينظم دخول الشاحنات للطريق السريع لتخفيف الازدحام

مكتب شؤون المرور ينظم دخول الشاحنات للطريق السريع لتخفيف الازدحام

أعلن مكتب شؤون المرور عن تنظيم حركة الشاحنات على الطريق السريع، حيث تقرر السماح لها …