منصة الصباح
محلل اقتصادي: ارتفاع تكلفة استيراد المحروقات يفسر تراجع صافي عائدات النفط الليبية في أكتوبر
محلل اقتصادي: ارتفاع تكلفة استيراد المحروقات يفسر تراجع صافي عائدات النفط الليبية في أكتوبر

محلل اقتصادي: ارتفاع تكلفة استيراد المحروقات يفسر تراجع صافي عائدات النفط الليبية في أكتوبر

قال المحلل الاقتصادي محمد أحمد، في مقال نشره عبر صفحته على موقع فيسبوك بعنوان «مناكفات المؤسسة والمصرف وما يغيب عن الحوار رقميا»، إن الخلاف بين مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط بشأن الإيرادات النفطية لشهر أكتوبر 2026 أثار جدلا واسعا، مشيرا إلى أن كثيرا من التعليقات لم تتناول جوهر المسألة المرتبطة بالفارق بين الإيرادات النفطية المحصلة وتكلفة استيراد المحروقات.

وأوضح أحمد أن بداية الخلاف كانت في 15 أكتوبر 2026، عندما أصدر مصرف ليبيا المركزي بيانا أعلن فيه أن قيمة الإيرادات التي وصلت إلى حساباته من مبيعات النفط حتى يوم 14 أكتوبر بلغت 361 مليون دولار فقط، معتبرا أن صيغة البيان حملت إيحاء غير مباشر باتهام المؤسسة الوطنية للنفط، خاصة في ظل الارتفاع الحاد في أسعار النفط، التي تجاوزت 100 دولار للبرميل خلال سبتمبر.

وأضاف أن المؤسسة الوطنية للنفط ردت ببيان مطول نفت فيه الاتهامات المبطنة، وطالبت الجهات القضائية والرقابية بالتحقيق في الموضوع، كما نشرت بيانات التحويلات المالية التي أجرتها خلال أكتوبر إلى الحساب السيادي لدى المصرف الليبي الخارجي، والتي بلغ إجماليها 1.4 مليار دولار، بفارق قدره 1.039 مليار دولار عن المبلغ الذي أعلنه المصرف المركزي.

وأشار إلى أن ديوان المحاسبة أصدر بدوره بيانا أوضح فيه أن المبالغ المحصلة لدى مصرف ليبيا المركزي بلغت 577 مليون دولار حتى 15 أكتوبر، أي بزيادة يوم واحد عن الفترة التي تناولها بيان المصرف، ما خفض الفارق إلى 823 مليون دولار.

 تكلفة استيراد المحروقات محور الخلاف

وبحسب المحلل الاقتصادي، تتفق الجهات المعنية على أن الفارق بين الإيرادات النفطية والتحويلات المعلنة يرتبط بتوجيه أموال لتغطية شراء المحروقات من الخارج، وفي مقدمتها الديزل والبنزين، إلا أن الخلاف يتمحور حول تقدير حجم هذه الالتزامات وآلية احتسابها.

وأوضح أن مصرف ليبيا المركزي يرى أن المتبقي من تكلفة شراء المحروقات ينبغي أن يكون محدودا في ظل ارتفاع أسعار النفط، ولا يحتسب ضمن الإيرادات المعلنة إجمالي الأموال التي يجري التصرف فيها عبر المصرف الليبي الخارجي، والتي تفتح في صورة اعتمادات مستندية لموردي الوقود.

في المقابل، تشير المؤسسة الوطنية للنفط إلى أن التزامات توريد المحروقات تستند إلى اتفاقية بينها وبين المصرف المركزي وديوان المحاسبة والنائب العام، ومصدقة من مجلس الوزراء، وجاءت نتيجة مناقصة علنية جرت تحت إشراف الجهات المعنية.

وشدد أحمد على أن تحليله يقتصر على العلاقة بين قيمة الإيرادات النفطية وتكلفة المحروقات المستوردة، ولا يتناول قضايا تهريب الوقود أو سوء إدارة الموارد المالية بعد تحصيلها، مؤكدا أن هذه الملفات تحتاج إلى دراسات مستقلة.

 ارتفاع واردات الديزل خلال سبتمبر

ولفت أحمد إلى أن المؤسسة الوطنية للنفط نشرت في 4 أكتوبر 2026 بيانا بشأن شحنات الديزل الموردة إلى ليبيا خلال سبتمبر، موضحا أن مستحقات هذه الشحنات يفترض سدادها خلال أكتوبر، باعتبار أن موعد استحقاق الدفع يحل بعد 30 يوما من تاريخ الاستلام.

وبحسب البيانات التي أشار إليها، بلغ عدد الشحنات نحو 21 شحنة، بزيادة ست شحنات عن المستوى المعتاد، إذ ارتفعت كميات الديزل الموردة من نحو 450 ألف طن خلال النصف الأول من العام إلى 657 ألف طن في سبتمبر، بزيادة تقارب 200 ألف طن.

وأضاف أن المؤسسة أصدرت في 5 أكتوبر بيانا بشأن الإنتاج والإيرادات، أوضحت فيه أن حصة الدولة الليبية من الإنتاج بلغت 31 مليون برميل شهريا، بقي منها نحو 6 ملايين برميل في المخزونات، ما يعني تصدير ما يقارب 916 ألف برميل يوميا، وفقا لما أعلنته المؤسسة، وهي الكميات التي يفترض احتساب عائداتها النقدية المحصلة خلال أكتوبر على أساسها، مع استثناء الإتاوات المستحقة على الشركاء.

 الطلب الموسمي يرفع التزامات استيراد الوقود

حدد أحمد ثلاثة عوامل رئيسية ينبغي أخذها في الاعتبار عند تحليل الإيرادات النفطية وتكلفة استيراد المحروقات، وهي الطلب الموسمي على الديزل، والفارق بين أسعار النفط الخام وأسعار الديزل والبنزين، وفترات استحقاق المدفوعات واستمرارية العمليات المالية.

وأوضح أن الطلب السنوي على الديزل بلغ، وفقا لآخر تقديرات عام 2025، نحو 5 ملايين طن، مع اختلاف الاستهلاك من شهر إلى آخر. وينخفض الطلب إلى أدنى مستوياته خلال ديسمبر ويناير وفبراير، ليقترب من 400 ألف طن شهريا، نتيجة تراجع الطلب على الكهرباء، بينما يصل إلى أعلى مستوياته في سبتمبر.

وأشار إلى أن استهلاك الديزل سجل نحو 620 ألف طن في سبتمبر 2025، مقابل 650 ألف طن في الشهر نفسه من عام 2026، ما يعني أن الالتزامات المالية المتعلقة باستيراد الوقود ترتفع موسميا خلال هذه الفترة، حتى مع افتراض ثبات الأسعار، وهو افتراض لا يتحقق بالضرورة.

 اتساع الفارق بين سعر النفط الخام والديزل

وفيما يتعلق بأسعار النفط، أوضح أحمد أن التقديرات التقليدية تفترض استمرار فارق ثابت بين سعر النفط الخام المستخدم مؤشرا للإيرادات، وسعر الديزل المستخدم مؤشرا لتكلفة الواردات، إلا أن هذا الفارق اتسع بصورة كبيرة خلال الفترة الأخيرة.

وضرب مثالا افتراضيا، بأنه إذا بلغ سعر النفط الخام 100 دولار للبرميل، وصدرت ليبيا 100 برميل، فإن إيراداتها تبلغ 10 آلاف دولار. وإذا كان سعر الديزل 105 دولارات للبرميل، واستوردت 50 برميلا، فإن تكلفة الاستيراد تصل إلى 5250 دولارا، ويتبقى 4750 دولارا قبل احتساب التكاليف الأخرى.

أما إذا ارتفع سعر الديزل إلى 130 دولارا للبرميل، فإن تكلفة استيراد الكمية نفسها تصل إلى 6500 دولار، ويتراجع المتبقي إلى 3500 دولار فقط.

وأضاف أن الفارق بين سعر النفط الخام والديزل كان يتراوح بين 5 و10 دولارات للبرميل قبل الحرب الأمريكية الإيرانية، بينما أصبح يتراوح بين 30 و50 دولارا لصالح الديزل، وفق تقديره، وهو ما يعكس ارتفاعا كبيرا في تكلفة استيراد الوقود مقارنة بالعائدات النفطية.

واعتبر أن هذا التطور يفسر جانبا من الضغوط التي تواجهها أسواق الطاقة، مشيرا إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سمح لروسيا بإعادة صادراتها من الديزل إلى الأسواق العالمية، بما فيها السوق الأمريكية، في ظل الضغوط على إمدادات الوقود، كما أشار إلى الضغط على أوروبا للسحب من مخزوناتها من الديزل، وعلى أوكرانيا لوقف استهداف المصافي الروسية المنتجة له.

 انتقادات لطريقة إعلان الإيرادات

وانتقد أحمد إعلان مصرف ليبيا المركزي عن الإيرادات المحصلة حتى منتصف الشهر، معتبرا أن البيانات التي تعلن في نقطة زمنية محددة لا تعكس بالضرورة مسار الإيرادات خلال الشهر كاملا، لأن عمليات التصدير والتحصيل وتسوية الالتزامات المالية تستمر بصورة متواصلة.

وقال إن بيان المصرف الصادر في 15 أكتوبر عكس حالة من القلق لدى المسؤولين إزاء انخفاض المبالغ المحصلة مقارنة بالتوقعات، وكان من الأفضل، بحسب رأيه، التريث ودراسة طبيعة العمليات المالية واتجاهاتها بدلا من التركيز على الأرقام المسجلة في فترة محدودة.

وأضاف أن احتساب الإيرادات على أساس وتيرة التحصيل خلال النصف الأول من أكتوبر قد يؤدي إلى توقع وصول الإيرادات إلى 722 مليون دولار بنهاية الشهر، ونحو 2.1 مليار دولار خلال الأشهر الثلاثة المتبقية من العام، وهو ما قد يثير مخاوف في الأسواق المالية والنقدية الليبية.

وفي المقابل، رأى أن تقديرات ديوان المحاسبة البالغة 577 مليون دولار حتى 15 أكتوبر تبدو أقرب إلى الوقائع خلال الفترة المحددة، لكنه شدد على ضرورة عدم استخدامها وحدها لتقدير الإيرادات المتوقعة لبقية العام.

 تقديرات الإيرادات خلال أكتوبر

ووفقا للنموذج الاقتصادي والمحاسبي الذي عرضه أحمد، فإن الإيرادات النفطية المتوقعة لكامل أكتوبر 2026 تبلغ نحو 1.4 مليار دولار، استنادا إلى توريد 650 ألف طن من الديزل خلال سبتمبر، باعتباره مستوى يتوافق مع الاستهلاك الموسمي، وإلى وصول سعر النفط إلى نحو 100 دولار للبرميل.

وأوضح أن هذا التقدير يأخذ في الاعتبار خصم نحو 1.3 مليار دولار لتغطية واردات المحروقات من البنزين والديزل، بعد الأزمة الأمريكية الإيرانية واتساع الفارق بين سعر النفط الخام وسعر الديزل، مقارنة بنحو مليار دولار كان من المفترض خصمها لو لم تحدث هذه التطورات.

وبناء على هذه الحسابات، قدر أن المبلغ الذي كان ينبغي أن يظهر في بيانات التحصيل خلال الفترة من 1 إلى 14 أكتوبر يبلغ نحو 561 مليون دولار، بدلا من 361 مليون دولار التي أعلنها المصرف المركزي.

## توقعات بارتفاع الإيرادات خلال الشتاء

أما بشأن بقية عام 2026، فتوقع أحمد أن يؤدي تراجع الطلب الموسمي على الديزل والبنزين خلال فصل الشتاء إلى انخفاض الالتزامات المالية الخاصة باستيراد المحروقات، بما يتيح زيادة المبالغ المتبقية من الإيرادات النفطية.

وقال إن الإيرادات ستظل مرتبطة بأوضاع أسواق النفط العالمية، لكنه أشار إلى أنه في حال استمرار سعر النفط عند 100 دولار للبرميل، وبقاء الفارق بين سعر الخام والديزل عند 30 دولارا للبرميل، فإن انخفاض الطلب على المحروقات إلى مستويات الشتاء قد يرفع صافي العائدات النفطية.

وذكر أن تقديراته تشير إلى عائدات تبلغ نحو 800 مليون دولار شهريا، مع توقع ارتفاع المبالغ الموردة إلى مصرف ليبيا المركزي من 1.4 مليار دولار شهريا إلى 1.8 مليار دولار خلال موسم الشتاء، وفق النموذج الذي عرضه.

## دعوة إلى التنسيق بين الجهات المعنية

وفي ختام مقاله، أكد أحمد أن تحليله لا يتناول ملفات تهريب المحروقات أو سوء إدارة العائدات النفطية، مشيرا إلى أن هذه القضايا تستحق دراسات منفصلة.

وانتقد ما وصفه بإثارة مصرف ليبيا المركزي حالة من الهلع دون دراسة معمقة للاتجاهات المالية، معتبرا أن ذلك قد يشير إلى ضعف في القدرات التخطيطية والتعامل مع ظواهر الأحداث بدلا من تحليل جوهرها.

ودعا المسؤولين في مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط والجهات المعنية الأخرى إلى عقد لقاءات مشتركة لدراسة الإيرادات والتزامات استيراد المحروقات، وتوحيد أسس التقدير والمعلومات المعلنة، بما يحد من التضارب في البيانات ويجنب الأسواق المالية والنقدية ردود الفعل الناجمة عن الأرقام غير المكتملة.

شاهد أيضاً

كريم ميزران، مدير مبادرة شمال أفريقيا والباحث المقيم في المجلس الأطلسي

المجلس الأطلسي يطلق برنامج روما لتعزيز الحوار الأمريكي الأوروبي حول ليبيا وشمال أفريقيا

يتجه المجلس الأطلسي إلى تعزيز حضوره في العاصمة الإيطالية روما، عبر إطلاق برنامج جديد يهدف …