مع أول هطول خريفي، صرخت طرابلس لتكشف أسرار الصيف، وتفضح ما اختبأ خلف العقود والأرقام، وخطابات التحسين والتطوير، والإعلانات عن تنظيف فتحات تصريف مياه الأمطار. لم تكن هذه المرة الأولى التي تشهد فيها العاصمة حوادث غرق، لكنها ربما كانت ضمن الأعنف، حيث اجتاحت المياه معظم مناطقها، حتى تلك التي نجت من اجتياحات سابقة، وغمرت الطرق والبيوت والمحلات وابتلعت السيارات. بدأ الصباح بانتشال جثمان موظف مصرفي صُعق بالكهرباء قرب مقر عمله الغارق، وانتهى المساء بانتشال جثمان محامٍ بارز ظل عالقًا في سيارته الغارقة على الطريق السريع حتى الليل.
مدن ليبية وغير ليبية تعرضت لمآسٍ مشابهة وربما أسوأ، لكن تكرار الغرق واتساع نطاقه يكشف خللًا متراكمًا في منظومة تتشابك فيها مسؤوليات المؤسسات والمواطنين. وفي تقديري، لا يمكن اختزال ما حدث في سبب واحد؛ فقد فقدت طرابلس جزءًا من حصنها الطبيعي الذي كانت توفره الأشجار ومصدات الرياح والرمال، وتراجعت قدرتها على تصريف المياه مع التوسع العمراني المتسارع وغير المنظم وقصور البلديات في الاضطلاع بمسؤولياتها. كما فاقمت سلوكيات بعض المواطنين المشكلة برمي المخلفات في الشوارع، مع إخفاق الخطاب الديني والتعليمي في ترسيخ المفهوم العملي للقاعدة الإسلامية والحقوقية «لا ضرر ولا ضرار»، ميثاقًا لحياة مدنية مسؤولة وبيئة آمنة ونظيفة. وتبقى المسؤولية الأكبر على عاتق الجهات المختصة بالتخطيط والتنفيذ والرقابة، التي تتلقى ميزانياتها من المال العام.
وبينما استمرت جهات ومدن في تنفيذ برامج مرتبة مسبقًا، كانت طرابلس تبكي وتحصي خسائرها؛ فأعلنت بعض بلدياتها ومؤسساتها التعليمية عطلة طارئة لليوم التالي، فيما تنادت مؤسسات أمنية وصحية ومدنية وخدمية، إلى جانب ناشطين، لتقديم العون وتخفيف المعاناة.
لسان حال المدينة يسأل: لماذا غرقت طرابلس؟ وأين كانت الرقابة قبل الكارثة؟ وماذا عن جودة التنفيذ والالتزام بالمواصفات؟ وما مدى فاعلية الرقابة؟ وهل ستتم معالجة الأسباب أم سيقتصر التعامل على ردود الفعل؟ إنها أسئلة تستدعي تحقيقات جادة في التجاوزات المحتملة، ومحاسبة كل من يثبت تسببه بإهماله أو مخالفاته في الأضرار التي لحقت بالعاصمة وأهلها.
قد تجف الشوارع وتعود الحركة إلى طبيعتها، وتُطوى أخبار الضحايا والخسائر، لكن شبح الأزمة سيظل ماثلًا، ونحن أمام اختبار حقيقي: إما إصلاح ورقابة ومحاسبة، وإما فضيحة جديدة مع كل هطول، وخسائر تتكرر أو تتفاقم، وأسئلة لا تجد إجابة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية