منصة الصباح

صعود قياسي للفضة يعكس تحولات في الاقتصاد العالمي

تقرير/ مني عريبي

شهدت أسواق المعادن النفيسة خلال الفترة الأخيرة تحولًا لافتًا، تمثل في الارتفاع الحاد لسعر الفضة إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة، في مشهد يعكس تغيرًا واضحًا في موازين العرض والطلب، ويؤشر على مرحلة جديدة في مسار هذا المعدن الذي طالما وُصف بأنه “ذهب الفقراء”..

هذا الصعود لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تداخل معقد بين عوامل اقتصادية وصناعية واستثمارية، أعادت الفضة إلى صدارة اهتمامات المستثمرين والمؤسسات الصناعية الكبرى على حد سواء..

فمن جهة، يشهد العالم توسعًا غير مسبوق في الاعتماد على التقنية النظيفة والطاقة المتجددة، حيث تُعد الفضة عنصرًا أساسيًا في صناعة الألواح الشمسية، والدوائر الإلكترونية، والسيارات الكهربائية، ومراكز البيانات..

هذا الطلب الصناعي المتسارع استنزف كميات ضخمة من المعدن، في وقت لم يتمكن فيه الإنتاج العالمي من مجاراته بالوتيرة نفسها..

ومن جهة أخرى، يعاني سوق الفضة من قيود هيكلية في جانب المعروض، إذ إن الجزء الأكبر من إنتاجها العالمي يأتي كناتج ثانوي لتعدين معادن أخرى مثل النحاس والزنك، ما يجعل زيادة الإنتاج عملية بطيئة ومعقدة، حتى في ظل ارتفاع الأسعار..

وقد أدى ذلك إلى تراجع المخزونات العالمية إلى مستويات مقلقة، ساهمت في زيادة الضغوط الصعودية على الأسعار..

على الصعيد الاستثماري، استعادت الفضة دورها كملاذ آمن، خاصة في ظل حالة عدم اليقين التي تخيم على الاقتصاد العالمي، والتقلبات في أسواق المال، إلى جانب التوقعات المتزايدة بتوجه البنوك المركزية نحو سياسات نقدية أكثر مرونة..

هذه المعطيات دفعت المستثمرين إلى البحث عن أصول حقيقية تحفظ القيمة، لتكون الفضة خيارًا جذابًا نظرًا لسعرها الأقل مقارنة بالذهب، وإمكاناتها الربحية الأعلى..

كما لعبت المضاربات في أسواق العقود الآجلة، دورًا مهمًا في تسريع وتيرة الصعود، حيث أدت زيادة السيولة وتوسع مراكز الشراء إلى تعزيز الزخم السعري، ودفع الفضة إلى تجاوز حواجز سعرية تاريخية خلال فترة زمنية وجيزة..

ورغم هذا الأداء القوي، لا تخلو الصورة من تحديات محتملة، إذ تبقى أسعار الفضة عرضة للتقلبات الحادة، سواء نتيجة عمليات جني الأرباح، أو أي تغير مفاجئ في المؤشرات الاقتصادية العالمية..

إلا أن الاتجاه العام لا يزال مدعومًا بأسس قوية، في مقدمتها الطلب الصناعي طويل الأجل والعجز المستمر في المعروض..

وفي المحصلة، فإن الارتفاع القياسي لسعر الفضة، لا يعكس مجرد موجة صعود مؤقتة، بل يمثل تعبيرًا واضحًا عن تحولات هيكلية في الاقتصاد العالمي، حيث تتقاطع التقنية، والطاقة النظيفة، والاستثمار الآمن، لتعيد رسم مكانة هذا المعدن الاستراتيجي في الأسواق العالمية..

شاهد أيضاً

"فرج العربي" يكشف جوهر الإنسان في «أنا وعطرها»

“فرج العربي” يكشف جوهر الإنسان في «أنا وعطرها»

الصباح/ حنان كابو صدر حديثًا عن دار الرواد للنشر الديوان الشعري الجديد للشاعر الليبي “فرج …