منصة الصباح
د. علي عاشور

شَرُّ البَلِيَّةِ ما يُضْحِكُ

باختصار

يبدو أن مجلس النواب في بلادنا قد حل أخيرا جميع مشاكل ومعضلات ليبيا، ولم يتبق لهإلا إنقاذ أخلاق البنات من خطر (تيك توك) أما المرتبات، وقيمةالدينار مقابل الدولار، وغلاء المعيشة، والمدارس المغلقة منذ شهرين تقريباً، والدراسة المعطلة، والانقسام السياسي والمؤسسي، والوضع الأمني المتردي، ومسألة الاستفتاء على الدستور، وإجراء الانتخابات…. فهذه كلها تفاصيل صغيرة لا تستحق أن تفسد على السادة النواب متعة التفكير في مستقبل المجتمع وأخلاقه. 

شر البلية ما يضحك حقاً، فحين تكون البلاد غارقة في الأزمات، ويكون المواطن غارقاً في الديون، ويكون ولي الأمر عاجزاً عن توفير احتياجات أبنائه، ويكون التلاميذ لمينطلقوا في عامهم الدراسي، ثم يكتشف ممثلو الشعب أن الخطر الأكبر الذي يهدد الوطن هي تطبيقات على الهواتف الذكية.

لقد كانت الجلسة -بحسب الإعلان عنها- مخصصة لمناقشة جدول المرتبات الموحد، أي إن الموضوع يتعلق بلقمة عيش الموظف، وحقوق العامل، وعدالةالأجور، وحياة آلاف الأسر التي تنتظر منذ سنوات إنصافاً لا يأتي… لكن النقاش أخذ منعطفا آخر، فبدلاً من البحث عن حلول لمشاكل الناس، أصبح الحديث عن إغلاق تطبيق(تيك توك)، وكأن إغلاق تطبيق سيغلق تلقائيا أبواب القهروالفقر، ويعيد فتح المدارس والفصول، ويصلح سعر الدينار، وتسقط سطوة الدولار، وينهي الانقسام، وتتلاشى الأزمات، ويجعل المرتبات تكفي حتى نهاية الشهر.

هل أصبحت أزمة ليبيا أخلاقية على الهواتف الذكية، وليست سياسية في المؤسسات، ولا اقتصادية في الأسواق، ولا تعليمية في المدارس؟ وهل صار حظرالتطبيقات أسهل من توحيد المرتبات، وأيسر من معالجة الانقسام وحل بقية الأزمات، وأسرع من إنقاذ التعليم؟.

وإذا كان بعض المحتوى الرقمي يستحق النقد والتنظيم، فذلك شأن يمكن مناقشتهبجدية، وفق القانون، وبما يحمي الأطفال وحقوق المستخدمين معاً…. لكن المشكلة ليست في مناقشة الأخلاق، بل في أن تتحول هذه المناقشة إلى أولوية طارئة وفي جلسة يفترض بها أن تكون غير عادية، بينما تترك الأزمات التي تمس حياة المواطنين معلقة، ثمتؤجل جلسة المرتبات أسبوعين إضافيين، وكأن الجوع يقبل التأجيل، والإيجار ينتظر، والأسعار تتجمد احتراماً لجدول أعمال مجلس نوابنا المصون.

أكثر من اثنا عشرعاما تقريباً من العبث والتخبط، وما زال المواطن ينتظر دولةتحترم وقته وحقوقه ومستقبل أبنائه… لكم أن تتذكروا فقط اثنا عشر عاماً من الوعود والاجتماعات والسفريات والبيانات، ومعها إنفاق الأموال والميزانياتبالمليارات، ثم نصل إلى مشهد يصبح فيه تطبيق إلكتروني أهممن (6000) مدرسةمغلقة، وحرمان أكثر من مليوني تلميذ من التعليم، وجدول أعمال أهم من جدول المرتبات، وتأجيل القرار أسهل من تحمل المسؤولية.

يا من تسمون أنفسكم نواب الشعب، إن أخلاق المجتمع لا تحمى بالتلهي عن واجبات بناء الدولة، ولا تحمى بحظر التطبيقات، بينما تترك حقوق الناس معلقة…. الأخلاق تبدأمن احترام الأمانة، والوفاء بالمسؤولية، وصون المال العام، والقيام بالواجب الذي انتخبتم من أجله.

أما أن تترك البلاد بكل أوجاعها، وتستدعى الأخلاق كلما عجزت السياسةعن أداء واجبها، فهذه ليست مفارقة مضحكة فقط،بل مأساة تلبس ثوب الكوميديا.

صدق من قال: شرالبلية ما يضحك، لكن ضحك الليبي اليوم ضحك من لم يعد يعرف هل يبكي على حال بلاده، أم يضحك من حال من يتصدرون المشهد فيها؟

بقلم: د. علي عاشور

شاهد أيضاً

أحلام محمد الكميشي

طرابلس تتنفس تحت الماء

مع أول هطول خريفي، صرخت طرابلس لتكشف أسرار الصيف، وتفضح ما اختبأ خلف العقود والأرقام، …