شهر رمضان يتغير… ولن يتغير… يأتي كل عام كما هو، خفيفا على القلب، ممتلئا بالسكينة لمن أرادها، لكنه يقف أمامنا كمرآة صافية تعكس ما أصبحنا عليه. ومع ذلك، نخرج منه كل عام بشيء أقل… ليس لأن الشهر هو السبب، بل لأننا نحن الذين تغيرنا، أو لأننا لم نعد نعرف كيف نأخذ منه كما كنا نفعل.
الكثيرون منا يقول: “رمضان زمان” كان أفضل والعيد أكثر بهجة، وأن الناس كانوا أقرب وأبسط… نحمل الزمن مسؤولية ما نشعر به من فراغ، ونعلق عليه حنيننا… لكن الحقيقة التي نتجنبها أن الزمن لم يتبدل… نحن بني البشر الذين ابتعدنا خطوة بعد الأخرى عن تفاصيل كانت يوماً تشبهنا، حتى صرنا ننظر إليها كأنها حكاية بعيدة.
زمان، لم تكن اللمة الرمضانية موعداً ننسقه بين الانشغالات، بل كانت حياة تعاش بعفوية… زمان كانت البيوت مفتوحة والوجوه مألوفة، والزيارات لا تحتاج إلى إذن أو اتصال مسبق للترتيب…. كما كان الإفطار جماعياً، حتى وإن ضاقت الموائد، لكن كان في البساطة ما يكفي للجميع… كان الحضور أهم من كل شيء، لأن الناس كانت ترى في بعضها امتدادا طبيعيا للحياة.
أما اليوم… فقد كبرت وتوسعت الموائد، وتنوعت الأطباق والأكلات، وتعددت الخيارات، لكن شيئا من القرب والود تراجع، حتى أصبح لا يرى كما كان.
صحيح مازلنا نجتمع في مكان واحد، لكن كل منا يحمل عالمه الصغير، شاشة تضيء بين يديه، وصورة يتم التقاطها لتنشر لا لتيم الاحتفاظ بها… أصبح الاهتمام منصرفا إلى الخارج أكثر من الداخل، حتى صار الحضور شكلياً، والغياب حقيقياً.
حتى العيد لم يتغير… لكنه تغير فينا…. كان يبدأ بصلاة ثم المصافحة والعناق، ثم زيارات لا تنتهي… كان يوما ممتداً بالفرحة…. أما الآن… فقد يختصر في رسالة أو مكالمة، أو صورة جماعية نحرص على نشرها أكثر من عيشها، فقد أصبح التوثيق بديلاً عن الشعور.
نحن من غيرنا التفاصيل الصغيرة في حياتنا، أكلات مثل المقروض والغريبة وخبز التنور لم تختفي، لكنها فقدت شيئاً من روحها حين خرجت من اللمة العائلية إلى الاستهلاك، ومن الفعل الجماعي إلى البديل الجاهز…. لم تعد تلك الطقوس التي تجمع، بل أصبحت مجرد أصناف تشترى لتقدم على عجل.
في المقابل، نحن من جلبنا عادات وأسماء جديدة… ليست سيئة في ذاتها، لكنها دخلت علينا دون أن تمر بذاكرتنا… فأصبح فينا من يسمي (البراك) دولمة، وعصير الليمون بالنعناع “الموخيتو”، واللمات “بالغبقات”… ونستبدل حلوياتنا بما يشبه الآخرين أكثر مما يشبهنا…
باختصار، شهر رمضان لم يتغير… لكنه أصبح أكثر وضوحاً في كشفنا لأنفسنا، كما أن العيد لم يفقد فرحته… لكننا لم نعد نحسن استقبال تلك الفرحة… ربما لا نحتاج أن نعيد الزمن، بقدر أن نراجع أنفسنا… أن نحيي اللمة، ونقترب من بعضنا، ونصنع تفاصيلنا بأيدينا…
عندها فقط… سندرك أن الجمال لم يكن في الزمان، بل فينا نحن حين كنا أقرب وأصدق، وأكثر حضورا.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية