ترجمة عبدالسلام الغرياني..
حين عدتُ إلى ليبيا عام 2018، كان قد مضى على رحيل معمر القذافي قرابة سبع سنوات، ورغم ذلك كان طيفه ـ بماضيه وحاضره ومستقبله ـ حاضراً في كل زاوية. بدا هذا الأمر منطقياً بالنظر إلى تجربة الحكم ‘الفريدة’ والقاسية التي خاضها الشعب الليبي تحت سلطته طيلة اثنين وأربعين عاماً؛ إذ مثلت صدمةً لا يزالون يكابدون للتعافي من آثارها. وكما ورد على لسان ويليام فوكنر في روايته ‘قُداس لراهبة’: “الماضي لا يموت أبداً، إنه لم يمضِ أصلاً”.¹
على الرغم من حرصه على تصوير نفسه في صورة ‘القائد’ المترفع عن المناصب، كان القذافي في واقع الأمر حاكم ليبيا الفعلي والممسك بمقاليد الأمور كافة. وقد عاونته في مهمته هذه حاشية موالية من رفاقه الضباط، وأفراد من عائلته الممتدة وقبيلة القذاذفة، إلى جانب أجهزة أمنية بالغة القسوة، ووفرة في عوائد النفط التي سخرها لشراء الولاءات داخلياً وخارجياً. إن انقلابات القذافي المفاجئة على البيروقراطية، بدءاً من ‘ثورته الثقافية’ عام 1973 لتطهير البلاد من ‘الرجعيين’، ودعواته لـ ‘حكم الجماهير’ التي كانت أساساً لتحويل اسم ليبيا إلى المصطلح المستحدث ‘الجماهيرية’ (دولة الجماهير) عام 1977، فضلاً عن تحركاته الاستعراضية ضد المؤسسات الوطنية والدولية، خلقت في مجملها حالة من الضبابية، وهو مفهوم للحكم صُمم خصيصاً لإبقاء الشعب الليبي في دوامة من عدم الاستقرار الدائم.
إن ليبيا التي استقبلتني في يوم حار من شهر يوليو 2018 عندما هبطت في مطار معيتيقة الدولي بطرابلس كانت تختلف تماماً عن تلك التي زرتها مرتين بصفتي مسؤولة في وزارة الخارجية الأمريكية مقرها واشنطن في عامي 2008 و 2009. حينها وصلتُ إلى مطار طرابلس الدولي الحديث بضواحي العاصمة الجنوبية على متن رحلة للخطوط الجوية الأفريقية، وانتقلتُ سريعاً إلى السفارة الأمريكية لحضور اجتماعات. بدت طرابلس عام 2008 مدينة هادئة على نحو يثير الريبة، في تباين صارخ مع صخب الدار البيضاء والقاهرة، محطاتي السابقة ضمن تلك الجولة الإقليمية. في تلك الحقبة، كان من العسير العثور على ليبيين لديهم استعداد للخوض في أي قضايا جوهرية، لا سيما ما يخص تجاوزات نظام القذافي الكثيرة. خُيل إليَّ أن جميع محاوري يتلفتون وراءهم حذراً؛ إذ انتشر المخبرون في كل مكان، وصولاً إلى داخل محيط الأسرة الواحدة. افتقرت البلاد حينها لأي حياة سياسية أو أحزاب أو حتى خطاب سياسي يذكر. وكان القائم بالأعمال الأمريكي آنذاك هو الموهوب كريس ستيفنز، الذي أحدث مقتله المفجع في بنغازي بعد أربع سنوات عاصفة مدوية في السياسة الداخلية الأمريكية، ما دفع إدارة أوباما نحو مزيد من الانكفاء في خضم الاضطرابات التي تلت انتفاضات الربيع العربي الدراماتيكية التي اجتاحت الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
لكن مطار طرابلس الدولي في عام 2018 لم يكن يستقبل أي طائرات بالتأكيد؛ فقد تعرضت مدارجه لقصف أخرجها عن الخدمة، وتناثر حطام طائرات الركاب المتضررة في أرجائه، واستحال مبناه مجرد هيكل خاوٍ لما كان عليه سابقاً، إثر الدمار الذي خلفته الحرب الأهلية الليبية عام 2014. كانت معظم السفارات الغربية والمؤسسات الدولية قد أجلت موظفيها إبان ذلك الصراع، بما في ذلك السفارة الأمريكية وبعثة الأمم المتحدة. وقد غدا الإخلاء الأمريكي جزءاً من الحكايا المحلية، وهي قصة كثيراً ما رددها على مسامعي محاوريَّ الليبيون عام 2018: لقد سكنت المدافع على نحو غير معهود في الساعات الأولى من ذلك اليوم الصيفي القائظ بينما كان الموكب الأمريكي يقطع طريقه من طرابلس نحو الحدود التونسية. وقيل إن الليبيين أوقفوا معاركهم لبضع ساعات، خشية التعرض لنيران الطائرات الأمريكية بدون طيار، لإتاحة المجال أمام خروج السفيرة آنذاك، الدبلوماسية الأمريكية المخضرمة ديبورا جونز ـ وهي معلمتي ومشرفتي حين كنتُ أعملُ مسؤولةً سياسيةً في السفارة الأمريكية بالإمارات العربية المتحدة مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ـ وموظفيها بسلام.²
امتلك مطار معيتيقة الدولي ماضياً زاخراً بالأحداث؛ فقد شيده الإيطاليون إبان احتلالهم لليبيا مطلع القرن العشرين، ثم اتخذه النازيون قاعدة لهم خلال الحرب العالمية الثانية، قبل أن يؤول إلى البريطانيين ومن ثم الأمريكيين. أطلقت عليه القوات الجوية الأمريكية اسم ‘قاعدة هويلس الجوية’، ليتحول في الخمسينيات والستينيات إلى كبرى القواعد الجوية الأمريكية خارج الولايات المتحدة القارية. وخلال مسيرتي الدبلوماسية، صادفتُ غير قليل من الأمريكيين الذين خدموا في ‘هويلس’ في تلك الأيام الخوالي، التقيتُ أحدهم ممن وُلدوا في طرابلس، وهو ابن لضابط في القوات الجوية الأمريكية. والواقع أن مطار معيتيقة، شأنه شأن المجمعات النفطية المنتشرة في شرق ليبيا بشوارعها ذات التخطيط الدقيق، ما يزال يحتفظ بملامح القواعد الأمريكية التقليدية، حتى إنه يضم كنيسة صغيرة تحول غرض استخدامها حالياً.
بحلول عام 2018، خضع مطار معيتيقة لسيطرة إحدى أكبر الجماعات المسلحة الهجينة في طرابلس³، وهي ما تسمى ‘قوة الردع الخاصة’ تحت قيادة أمير حرب سلفي أدارت قواته أيضاً سجناً ضخماً داخل القاعدة. وكان المطار والسجن عرضة لقصف متكرر من الجماعات المسلحة المنافسة. وتمثل أحد أول لقاءاتي بصفتي القائمة بالأعمال الأمريكي مع فائز السراج، رئيس وزراء الحكومة الليبية المعترف بها دولياً آنذاك، في أعقاب قصف ميليشيا ‘البقرة’ المنطلقة من ضاحية تاجوراء المجاورة للمطار في أواخر يناير 2018؛ وهو ما أسفر عن إغلاق المطار وتقطع السبل بآلاف الليبيين في الخارج، في مشهد تكرر بعد ذلك مرات تفوق الحصر.
استذكر معي العديد من كبار السن الليبيين بمودة فترتي الخمسينيات والستينيات، أيام الملكية السنوسية، حين كانت ليبيا حليفة للغرب، وكان الأمريكيون يمدون يد العون للدولة الناشئة في تطوير احتياطياتها النفطية المكتشفة حديثاً. وفي أعقاب الانقلاب العسكري الخاطف وغير الدموي الذي قاده القذافي عام 1969، بدأت العلاقات بين الولايات المتحدة وليبيا في التدهور سريعاً، وطرد النظام الجديد القوات العسكرية الأمريكية والبريطانية على حد سواء.
بصفتي مسؤولةً أمريكية في عام 2008، أدرتُ مكتب السياسات في مكتب شؤون الشرق الأدنى بوزارة الخارجية الذي استعاد العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع ليبيا⁴، بينما كنتُ في الوقت ذاته أُوثق انتهاكات حقوق الإنسان المروعة التي اقترفها النظام. وبعد قطيعة دامت عقوداً، عاودت الحكومة الأمريكية التعامل مع ليبيا مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عقب إعلان القذافي في أواخر ديسمبر 2003 نيتَه تفكيك برنامج أسلحة الدمار الشامل واستقبال المفتشين الدوليين. و ما يزال الجدل قائماً حول ما إذا كان قراره رد فعل على الغزو الأمريكي للعراق أم نتاج عقود من العقوبات الصارمة؛ والأرجح أنه كان مزيجاً من الاثنين بالنظر إلى التوقيت.
عدتُ إلى الملف الليبي في عام 2018، أولاً كرئيسة للسفارة الأمريكية المعتمدة لدى ليبيا ولكن مقرها في تونس المجاورة. قضيتُ خمسة أشهر في ذلك المنصب أحاول إنجاز أكبر قدر ممكن من العمل عن بُعد، في بيئة وصفها الجميع بالمعقمة، لدعم عملية السلام الأممية وتنفيذ السياسة الأمريكية التي ركزت آنذاك بشدة على مكافحة الإرهاب، والحفاظ على قنوات تواصل مع الحكومة المعترف بها وسائر أطراف النزاع. وخلال تلك الفترة، حالت القيود الأمنية دون دخولي البلاد إلا مرتين في زيارتين خاطفتين؛ ففي المرة الأولى، رافقتُ قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، الجنرال توم والدهاوزر، حيث حلقنا إلى قاعدة أبو ستة البحرية بطرابلس على متن طائرة ‘أوسبري’، والتقينا رئيس الوزراء في قاعة استقبال رسمية تزين جدارها ـ ويا للمفارقة ـ لوحة لميناء طرابلس تظهر السفينة الأمريكية ‘فيلادلفيا’ وهي تحترق. كان القذافي قد أمر برسم تلك اللوحة لتخليد فصل شهير من حروب البربر يصور إذلال الليبيين للغزاة الأمريكيين، بينما الحقيقة أن البحارة الأمريكيين هم من أحرقوا فرقتاتهم بأنفسهم عام 1804 منعاً لوقوعها في أيدي السكان المحليين. أما زيارتي الثانية في النصف الأول من عام 2018، فكانت إلى مدينة مصراتة الساحلية، حيث اجتمعتُ بالعمدة ونواب في البرلمان ومسؤولين عسكريين ووجهاء من قطاع الأعمال.
بدأت رحلتي الليبية الحقيقية حين انضممتُ إلى الأمم المتحدة في يوليو 2018، حيث واجهتُ بلداً تعصف به سنوات من الفوضى والنزاع والانقسام المؤسسي، فضلاً عن تفشي عدم الثقة اجتماعيًا. لقد ألحق حكم القذافي التعسفي والاضطراب الدائم للوضع القائم أضراراً بالغة بالنسيج المجتمعي، ما جعل الليبيين يتوجسون من بعضهم البعض بشكل كبير. إن استعادة الثقة المتبادلة مشروع يتطلب أجيالاً، ولم تكن ملامحه بادية بأي حال في منتصف عام 2018. ومع ذلك، لمستُ آنذاك حنيناً معيناً لأيام نظام القذافي، وهو شعور سبق أن واجهتُ مثيلاً له في العراق إبان خدمتي نائبةً لرئيس البعثة بين عامي 2016 و2017. على ما كان يُصنف حينها أكبر سفارة للولايات المتحدة في العالم، ومسرحاً لتغيير نظام آخر اتسم بالعنف وسوء الإدارة على نطاق هائل. لا يعني ذلك أن الليبيين تمنوا عودة النظام، لكنّ كثراً من محاوريَّ افتقدوا تلك الأيام التي كانت فيها السلطات المركزية، على الأقل، تحتكر استخدام القوة. ومع ذلك، لم يكن بمقدور أحد نكران وحشية القذافي؛ إذ لم يكن المرء بحاجة لأكثر من الالتفات نحو حي ‘أبو سليم’ المترامي الأطراف في طرابلس، والذي نال اهتماماً دولياً حين حصدت مذبحة السجن الشهيرة عام 1996 أرواح نحو 1,200 من معارضي النظام على يد قواته الأمنية. والواقع أن انتفاضة عام 2011 ضد القذافي اندلعت شرارتها إثر اعتقال محامٍ في بنغازي كان يترافع عن أهالي ضحايا تلك المجزرة، وكان شقيقه من بين ضحاياها.
كان طيف القذافي حاضراً في تشرذم الدولة، وهي دولة تُرِكت بعد اثنين وأربعين عاماً من سوء الحكم مجردة إلى حد كبير من المؤسسات، نظراً لاستئثار القذافي بمعظم السلطات في يده. و ما يزال هذا الافتقار إلى ‘القوة المؤسساتية’ يلقي بظلاله على ليبيا حتى يومنا هذا، وهو أثر سأعمل على إيضاحه في الفصول القادمة. وتجلّى طيف مستقبل القذافي في التغلغل البطيء والمطرد لجهازي الأمن والمخابرات، وكذلك في الجاذبية المستمرة لابنه ووريثه المفترض سيف الإسلام⁵، الذي أدى إعلانه المفاجئ عن ترشحه للانتخابات الرئاسية في خريف عام 2021 إلى تعثر تلك الانتخابات وإفشالها⁶.
استمر الليبيون في الجدال حول جدوى إطاحة القذافي؛ فقد حلّ شعور بالسخط المشوب بالمرارة محل الاندفاع والتفاؤل اللذين رافقا ثورة 2011، حتى لدى أكثر المؤيدين حماساً للانتفاضة. وفي هذا السياق، تلاقت آراء الليبيين مع العديد من المراقبين والفاعلين الدوليين الذين انتقدوا أسلوب تعامل قوى الناتو مع الشأن الليبي عقب سقوط النظام. وفي مقال له بصحيفة ‘لندن ريفيو أوف بوكس’ عام 2017، لخص الصحفي توم ستيفنسون المشهد بدقة قائلاً: “أدى تغيير النظام بقيادة الغرب سريعاً إلى انفجار وطني… أعقبته كارثة على الجبهتين الداخلية والخارجية”. لقد كان انهياراً فادحاً، تمثل في نزوح 400,000 شخص داخلياً من أصل ستة ملايين نسمة، وفرار أكثر من مليون شخص إلى خارج البلاد. وصفه ستيفنسون بـ ‘الفراغ العميق والمجرد من السياسة’. كما شن هجوماً لا يقل ضراوة على القوى الخارجية التي حرضت على تغيير النظام، وبثت أجهزتها الاستخباراتية ووحدات قواتها الخاصة في شتى أرجاء البلاد، حيث “باتت تذكي نيران حرب أهلية تفتقر لفهمها ولم تضع لها الخطط اللازمة”.⁷
وفي ظل الإخفاقات الدولية السابقة في كبح جماح الإبادة الجماعية في رواندا ومجزرة سربرنيتسا، مَثّل التدخل الأجنبي في ليبيا أحد النماذج الأولى التي شهدت تفعيل مبدأ ‘المسؤولية عن الحماية’ (R2P)؛ إذ استُخدم ذريعةً لإقرار قرار مجلس الأمن رقم 1973 (الذي تضمن في نصه مفردات مرتبطة بهذا المبدأ) تحت دعوى الحيلولة دون وقوع جرائم ضد الإنسانية.⁸ وبغض النظر عن مدى محورية هذا المبدأ في تمرير القرار الأممي، فقد كان حرياً بالقوى الخارجية -خاصة بعد التجربة العراقية المريرة- أن تدرك بأن التغيير الجذري للنظام سيفضي إلى انهيار شامل في منظومة الحكم؛ وذلك نظراً لمدى تجذر نظام القذافي (على غرار نظام صدام حسين) في مفاصل مؤسسات الدولة الهشة.
طرابلس: عروس البحر
بمساحة تبلغ 1.76 مليون كيلومتر مربع ويقطنها ما يقرب من سبعة ملايين نسمة، تعد ليبيا رابع أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة⁹. وتمثل طرابلس كبرى مدن البلاد وعاصمتها، إذ تضم زهاء مليوني نسمة من الليبيين والأجانب. ويطلق الليبيون على مدينتهم العريقة المطلة على مياه المتوسط الزرقاء المتلألئة لقب ‘عروس البحر’¹⁰. وفي عام 2018، بدت هذه ‘العروس’ في حالة رثة للغاية، حيث شوهت أفقها هياكل لمبانٍ شاهقة لم يكتمل بناؤها، ورافعات مهجورة تتمايل مع الريح. فقد توقفت أغلب مشاريع الإعمار في أعقاب الثورة نتيجة الصراعات وسوء الإدارة، وتراكمت تلال القمامة على الأرصفة الوسطى للطرق السريعة وفي المساحات الواسعة. ورغم إنفاق ملايين الدنانير على خدمات النظافة، إلا أن معظم تلك الأموال تسربت إلى جيوب المسؤولين الفاسدين وأصحاب المصالح التجارية والجماعات المسلحة الهجينة. وكان صيف عام 2018، وما تلاه من فصول، قائظاً إلى حد رهيب، في ظل شح شديد في إمدادات الطاقة الكهربائية، وانقطاعات متكررة للمياه ناتجة عن ضعف الصيانة والاعتداءات التي طالت منظومة النهر الصناعي العظيم¹¹ وهو شبكة ضخمة من الأنابيب التي تنقل المياه إلى المدن الساحلية من طبقات المياه الجوفية في منطقة ليبيا الجنوبية الشاسعة. وبسبب الحرارة والإنهاك، كان الليبيون العاديون يقضون أيام الصيف القائظة في السباحة في البحر الأبيض المتوسط، في مياه كانت شديدة التلوث بسبب تعطل محطات معالجة مياه الصرف الصحي في المدينة.
تجلّى الانفلات الأمني في الاشتباكات المسلحة اليومية التي تتردد أصداؤها مباشرة أو يتناقل الناس أخبارها، ليعقبها تفسير قدري يرى في تلك المواجهة أمراً حتمياً؛ بذريعة أن المجموعة (أ) كانت تطلب الثأر من المجموعة (ب) لاستدعاء الأخيرة قائداً محلياً من الطرف الأول، أو لأن الفصيلين (ج) و(د) يتصارعان لبسط نفوذهما على مؤسسة رسمية، أو عقار، أو شارع، أو حي سكني. وقد سلطت بعض هذه المجموعات ضغوطاً هائلة على الحكومة الضعيفة التي لم تحظَ حينها باعتراف الأمم المتحدة؛ فكان الوزراء ونوابهم يسردون لنا بهمسٍ ما كابدوه من إهانات وتهديدات بالاعتداء الجسدي من قِبل تلك الأطراف المسلحة النافذة، بغرض انتزاع عقود تجارية أو تعيين أقاربهم في مناصب حيوية.
كان من الصعب تتبع كل هذه الجماعات المسلحة: إذ نشأ بعضها نتيجة انشقاقات مستمرة وصراعات داخلية، بينما وفد بعضها الآخر من خارج المدينة للمشاركة في الحرب الأهلية عام 2014، التي مثلت أول نزاع رئيسي في ليبيا بعد الإطاحة بالقذافي. وخلال معارك عام 2014 بين القوات الموالية للجنرال حفتر (عملية الكرامة) وقوى غرب ليبيا (عملية فجر ليبيا)، تدفقت عشرات المجموعات المسلحة نحو طرابلس واستقرت فيها عقب الحرب، سعيًا لفرض سيطرتها على الأحياء التي استولت عليها. كما أُزيحت فصائل أخرى، كالجماعة الليبية المقاتلة سابقًا، من معاقلها مؤخرًا، في حين تفككت مجموعات إضافية أو اندمجت ضمن تشكيلات مغايرة. ومن داخل ملاذاتها في المجمعات الفاخرة أو الفنادق القليلة الصامدة في طرابلس، انهمكت خلايا الاستخبارات والقوات الخاصة الأجنبية في مراقبة هذه التحولات المتسارعة في المشهد الأمني، في وقت بقي فيه أغلب نظرائهم الدبلوماسيين متمركزين في تونس.
كانت طرابلس مقراً لحكومة الوفاق الوطني غير المعترف بها أممياً، والتي ترأسها فائز السراج، أحد أبناء العاصمة الموصوف باللطف والدماثة والمحبوب على المستوى الشخصي. وبحكم انتمائه لعائلة طرابلسية عريقة ومرموقة، وجد السراج راحته في مسقط رأسه، فندر خروجه من العاصمة طيلة ولايته (2016-2021) إلا في المهام الخارجية. وقد حظي والده بمكانة رفيعة لدى الملك الراحل وتقلد مناصب عليا إبان العهد الملكي، بينما تخصص السراج الابن في الهندسة المعمارية وأسس عملاً تجارياً في عهد القذافي، مسخراً خبراته الفنية لجهات حكومية عدة. وعلى الرغم من ملامحه الوقورة وهدوء طبعه، أجاد المهندس المعماري رسم صورته العامة، مستخلصاً أن ضعفه الظاهري هو في حقيقته مصدر قوته الأكثر طمأنينة للآخرين. وبفضل بروزه من الظل خلال مفاوضات تشكيل الحكومة عام 2015، احتفظ السراج بخصوصية آرائه، وترفع عن الخطابات الطويلة المعهودة لدى الكثيرين. أما زوجته، فكانت قوة فاعلة خلف الكواليس وسيدة أعمال محنكة تمتلك صلات وثيقة بدائرة القذافي، ولعلها كانت المستشارة الأكثر نفوذاً لزوجها.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية