منصة الصباح
مجموعة متنوعة من المواد الغذائية تشمل اللحوم والأسماك والأجبان والخضروات والفواكه والحبوب مرتبة على طاولة، تعكس مكونات سلة الغذاء الشائعة لدى الأسر الليبية. صورة بالذكاء الاصطناعي
مجموعة متنوعة من المواد الغذائية تشمل اللحوم والأسماك والأجبان والخضروات والفواكه والحبوب مرتبة على طاولة، تعكس مكونات سلة الغذاء الشائعة لدى الأسر الليبية. صورة بالذكاء الاصطناعي

سلة الغذاء الليبية.. كيف تغيرت خلال عقد من الزمن؟

إعداد : مهند أحميدة

لم تعد سلة الغذاء الليبية كما كانت قبل عقد من الزمن. فمع ارتفاع الأسعار وتغير الظروف الاقتصادية، أعادت كثير من الأسر ترتيب أولوياتها الشرائية، وأصبحت بعض السلع التي كانت تُشترى بشكل اعتيادي تخضع اليوم لحسابات دقيقة تتعلق بالميزانية والقدرة الشرائية.

كيف تبدلت المائدة 

يقول المواطن نبيل السنوسي، من شارع جمال في طرابلس، إن التغير في سلة الغذاء الليبية أصبح ملموسًا داخل معظم الأسر، مشيرًا إلى أن أسرته المكونة من ستة أفراد كانت تنفق قبل نحو عشر سنوات قرابة 500 دينار شهريًا على الغذاء، بينما يتراوح الإنفاق اليوم بين 2000 و3000 دينار لتوفير الاحتياجات نفسها تقريبًا.

وأوضح أن الأسرة كانت تشتري اللحوم بمعدل مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعيًا، إلا أن ارتفاع الأسعار دفعها إلى تقليص الاستهلاك ليقتصر على مرة أو مرتين فقط في الشهر.

وأضاف أن الأسماك كانت حاضرة بشكل منتظم على مائدة الأسرة، لكن الوضع تغير خلال السنوات الأخيرة، وأصبح التركيز ينصب على الأنواع الأقل سعرًا مثل السردين وبعض الأصناف الشعبية الأخرى.

وأشار السنوسي إلى أن الأسرة تخلت عن عدد من السلع الكمالية وأصبحت تركز على الاحتياجات الأساسية، كما انخفض استهلاك الفواكه وبعض المنتجات التي كانت تُعد جزءًا من المشتريات المعتادة في السابق.

وأكد أن الارتفاعات الكبيرة في أسعار المواد الغذائية واللحوم كانت الأكثر تأثيرًا على ميزانية الأسرة، مضيفًا أن الأسعار الحالية أصبحت “مبالغًا فيها بشكل كبير”، الأمر الذي أجبر الكثير من الأسر على تقليل الكميات المشتراة رغم ارتفاع قيمة الإنفاق الشهري على الغذاء.

تغير في سلوك المستهلك

ويؤكد صاحب سوق لبيع المواد الغذائية، فضّل عدم ذكر اسمه، أن أسعار العديد من السلع شهدت ارتفاعات كبيرة خلال السنوات العشر الماضية، مشيرًا إلى أن أكثر السلع التي ارتفعت أسعارها تشمل الأجبان، واللحوم، والمكسرات، والقهوة، والشاي، والشوكولاتة، والوجبات الخفيفة (السناكس)، ومواد التنظيف، ومنتجات العناية بالبشرة، إضافة إلى البيض.

وأوضح أن هذا الارتفاع انعكس بشكل مباشر على سلوك المستهلكين، حيث تراجعت مبيعات عدد من السلع التي يمكن الاستغناء عنها، مثل الشوكولاتة، والآيس كريم، والفواكه، والمشروبات، و أغذية الحمية الغذائية (الدايت)، إلى جانب بعض أنواع الأجبان والزيتون.

وأضاف أن متوسط قيمة فاتورة الزبون ارتفع بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أن ارتفاع قيمة الفاتورة لا يعني بالضرورة شراء كميات أكبر، وإنما يعكس الزيادة المستمرة في أسعار السلع.

وأشار إلى أن أنماط الشراء تغيرت بشكل واضح، قائلاً: “أصبح الكثير من الزبائن يشترون بالجرامات بعد أن كانوا يشترون بالكيلوغرام، في محاولة للتأقلم مع ارتفاع الأسعار.”

ولفت إلى تزايد الطلب على السلع الاقتصادية، مبينًا أن المستهلكين يتجهون إليها باعتبارها الخيار الأكثر توفيرًا، حتى وإن كانت في بعض الأحيان أقل جودة من البدائل الأخرى.

ويرى أن سلة التسوق اليومية للأسر الليبية باتت تقتصر إلى حد كبير على السلع الأساسية، خاصة الاقتصادية منها، فيما تحولت بعض المنتجات التي كانت تُعد جزءًا اعتياديًا من مشتريات الأسر إلى سلع كمالية أو رفاهية بالنسبة لكثير من المستهلكين.

عوامل اقتصادية مؤثرة

ويرى الصحفي المهتم بالشأن الاقتصادي محمد الحجاج أن التغير الذي طرأ على سلة الغذاء الليبية خلال السنوات الأخيرة يعود إلى مجموعة من العوامل الاقتصادية المتراكمة، في مقدمتها تراجع قيمة الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية، حيث فقد نحو 77% من قيمته أمام الدولار مقارنة بعام 2011.

وأوضح الحجاج أن هذا التراجع انعكس بشكل مباشر على أسعار السلع في بلد يعتمد على استيراد ما يقارب 85% من احتياجاته الغذائية والاستهلاكية، الأمر الذي زاد من الضغوط على الأسر الليبية، خاصة مع تدني مستويات الدخل مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة.

وأضاف أن الموظف الذي يتقاضى راتبًا شهريًا يبلغ 1500 دينار لا تتجاوز قيمته الفعلية نحو 235 دولارًا، وهو ما أسهم في تغيير أنماط الاستهلاك وتوجيه الإنفاق نحو السلع الأساسية على حساب المنتجات الأخرى.

وأشار إلى أن بيانات حكومية أظهرت وصول نسبة الفقر في ليبيا إلى نحو 40%، وهو ما انعكس بصورة واضحة على حركة الأسواق والعادات الشرائية للمواطنين.

ولفت إلى أن بعض المشاهد التي كانت غير مألوفة في السابق أصبحت اليوم واقعًا يوميًا، من بينها شراء عدة عائلات لثمرة بطيخ واحدة وتقسيمها لدى البائع، إضافة إلى تزايد الإقبال على شراء نصف دجاجة بدلًا من دجاجة كاملة.

وأكد أن مؤشرات تراجع القدرة الشرائية تظهر أيضًا في محال الجزارة، حيث أصبحت حوافظ العظام تُباع بعد أن كانت تُمنح مجانًا للزبائن، وارتفعت أسعارها لتتراوح بين خمسة وعشرة دنانير للحافظة الواحدة.

وبيّن الحجاج أن المتابعة اليومية للأسواق تكشف تراجع استهلاك الفاكهة لدى شريحة واسعة من الليبيين، مقابل التركيز على بعض الخضروات الأساسية الأقل تكلفة، في مؤشر يعكس التحولات التي شهدتها سلة الغذاء الليبية خلال السنوات الأخيرة.

وبين ضغوط الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، تكشف شهادات المواطنين وملاحظات التجار وتحليلات المهتمين بالشأن الاقتصادي حجم التحولات التي طرأت على سلة الغذاء الليبية خلال العقد الأخير. فالكثير من السلع التي كانت جزءًا ثابتًا من المشتريات اليومية أو الأسبوعية أصبحت تُشترى بكميات أقل أو اختفت من قوائم التسوق لدى بعض الأسر.

وتعكس هذه التحولات واقعًا اقتصاديًا فرض على الليبيين إعادة ترتيب أولوياتهم الاستهلاكية والبحث عن بدائل أقل تكلفة لمواجهة ارتفاع المعيشة. ومع استمرار هذه التحديات، تبقى سلة الغذاء الليبية مرآة تعكس التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضي.

 

شاهد أيضاً

صلاح يقود مصر إلى أول انتصار مونديالي

الصباح حقق المنتخب المصري فوزًا تاريخيًا هو الأول في مشاركاته بكأس العالم، بعد أن قلب …